تتجلى في الذاكرة الوطنية المصرية صفحات مشرقة من الفخر والاعتزاز، تقف في طليعتها ملحمة تحرير سيناء، تلك البقعة الغالية من أرض الكنانة التي تعد العمق الاستراتيجي، والدرع الواقي، والقلب النابض لتاريخ ممتد من البطولات، إن الخامس والعشرين من أبريل هو رمز لإرادة أمة رفضت الانكسار، وقررت أن تصنع قدرها بيديها، ففي هذا اليوم، نتنسم عبق الانتصار، ونستلهم من تضحيات الشهداء دروساً خالدة، لندرك أن تحرير الأرض كان بداية لمسيرة أطول وأشمل، هي مسيرة تعمير العقول وبناء الإنسان، وتطوير المكان، في تلاحم فريد بين عبقرية العسكرية المصرية، وحنكة الدبلوماسية، وإرادة البناء، والتنمية.
لقد بدأت قصة التحرير من لحظة قاسية، حين ظن البعض أن سيناء قد ضاعت إلى الأبد، وأن اليأس قد استوطن القلوب، لكن الروح المصرية الأصيلة أبت الاستسلام، فكانت حرب الاستنزاف التي مهدت الطريق، وبنت حاجزاً من الصمود، وصولاً إلى العبور العظيم في السادس من أكتوبر عام 1973، في تلك اللحظة الفارقة، تحطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وانهارت خطوط الدفاع الحصينة أمام إيمان الجندي المصري وإصراره، فلم تكن الحرب غاية في حد ذاتها، إنما كانت وسيلة مشروعة وحتمية لاستعادة الكرامة وفرض واقع جديد يمهد لسلام عادل وشامل، ولقد أثبتت القيادة المصرية حينها أن القوة هي الضامن الحقيقي للحق، وأن استرداد الأرض يتطلب تخطيطاً علمياً دقيقاً، وإرادة سياسية صلبة لا تلين أمام التحديات.
ولم يتوقف مسار التحرير عند صمت المدافع، فانتقل إلى ساحة أخرى لا تقل ضراوة، وهي ساحة المعارك الدبلوماسية والتفاوض، ولقد خاضت مصر مفاوضات شاقة ومعقدة، متسلحة بحقها التاريخي والقانوني، وبانتصارها العسكري، لتتوج هذه الجهود بتوقيع معاهدة السلام، وانسحاب قوات الاحتلال تدريجياً، وتبلورت براعة المفاوض المصري في أبهى صورها خلال معركة طابا الدبلوماسية والقانونية، حيث لم تفرط مصر في حبة رمل واحدة، واستعانت بالوثائق والخرائط والخبرات التاريخية والقانونية لإثبات أحقيتها، حتى عاد الحق لأصحابه ورُفع العلم المصري خفاقاً فوق طابا، ويؤكد هذا المسار المتكامل أن استرداد الحقوق يتطلب تكاملاً بين السيف والقلم، وبين قوة الردع وقوة الحجة والبرهان.
وإذا انتقلنا من صفحات التاريخ إلى واقعنا المعاصر، ونحن نعيش تطورات متسارعة، نجد أن سيناء تحتل صدارة المشهد الاستراتيجي والأمني والاقتصادي لمصر والمنطقة بأسرها، فلقد واجهت هذه الأرض الطاهرة في السنوات الماضية تحدياً جديداً تمثل في قوى الإرهاب والتطرف التي حاولت اتخاذها بؤرة لتهديد استقرار الوطن، وكما حررها الأجداد من الاحتلال الخارجي، هب الأحفاد من أبناء القوات المسلحة والشرطة المدنية، بدعم ظهير شعبي قوي من أهالي سيناء الشرفاء، لتطهيرها من دنس الإرهاب، فكانت معركة وجودية تكللت بالنجاح، وأثبتت أن دماء المصريين التي روت سيناء بالأمس هي ذاتها التي تحميها اليوم، لتبقى سيناء واحة للأمن والاستقرار، وحائط صد منيع أمام أي محاولات للعبث بمقدرات الوطن في ظل إقليم يموج بالاضطرابات والصراعات.
إن الانتصار الحقيقي على الإرهاب والتهميش لا يكتمل إلا بالتنمية الشاملة والمستدامة؛ ولذلك، تواكب الدولة المصرية بقيادتها الحكيمة الأحداث من خلال رؤية ثاقبة تدرك أن تعمير سيناء هو خط الدفاع الأول عنها، ومن ثم تحولت سيناء اليوم إلى ورشة عمل ضخمة، حيث تمتد شرايين الحياة عبر الأنفاق العملاقة التي ربطت شبه الجزيرة بالوادي والدلتا، منهية عزلتها الجغرافية والتاريخية، وتنتشر المشروعات القومية الكبرى في كل شبر، بدءاً من إنشاء المدن الجديدة الذكية، مروراً باستصلاح مئات الآلاف من الأفدنة وتوفير مياه الري عبر أضخم محطات معالجة المياه في العالم، وصولاً إلى تطوير الموانئ، والمناطق الصناعية واللوجستية، والارتقاء بالبنية التحتية السياحية، وتعد هذه النهضة التنموية غير المسبوقة تحول سيناء إلى قاطرة للاقتصاد المصري، وتوجد واقعاً ديموغرافياً ومجتمعياً جديداً يعزز من الانتماء ويرسخ جذور الاستقرار.
وتنبثق من قلب هذه الملحمة الوطنية والتنموية، أهمية صياغة رؤية تربوية متكاملة تستلهم من دروس سيناء مناهج لبناء عقول الأجيال القادمة، فالتربية غرس للقيم وتشكيل للوعي، ويجب أن ترتكز هذه الرؤية التربوية على تحويل روح أكتوبر ومسيرة التحرير لسلوكيات وممارسات يومية في حياة النشء، حيث إن أولى ركائز هذه الرؤية هي تعزيز قيمة الانتماء والمواطنة، بتعريف الأجيال الجديدة حجم التضحيات التي قدمت من أجل كل شبر من هذا الوطن، ليدركوا أن الأوطان تبنى وتحفظ بالجهد والعرق والدماء، وأن التفريط في مقدراتها هو خيانة لدماء الشهداء.
ويجب أن تتبنى المناهج التربوية منهجية التفكير العلمي والتخطيط الاستراتيجي التي تجلت في حرب التحرير ومفاوضات السلام، كما يجب أن يتعلم أبناؤنا أن المعجزات لا تتحقق بالصدفة، إنما بالدراسة الدقيقة، وتحليل المعطيات، والتدريب المستمر، والعمل الجاد، حيث إن الخداع الاستراتيجي في الحرب، والدقة القانونية في مفاوضات طابا، يمثلان مادة خصبة لتعليم الطلاب مهارات حل المشكلات، والتفكير النقدي، والقدرة على التفاوض والإقناع، وهي مهارات حيوية للنجاح في عصر المعرفة والتكنولوجيا، ومن ثم فعلي المؤسسات التعليمية أن تتحول إلى منصات لتعزيز ثقافة الإبداع والابتكار، مستلهمة قدرة المقاتل المصري على ابتكار حلول غير تقليدية لتجاوز العقبات المستحيلة.
وفي إطار مواكبة الأحداث وتحديات العصر، يجب أن تركز الرؤية التربوية على مفهوم التنمية الشاملة كمرادف حقيقي لمعنى التحرير في وقتنا الحاضر، ويجب أن نغرس في نفوس الشباب أن الجهاد الأكبر اليوم هو جهاد البناء والتعمير والإنتاج، حيث إن تحرير العقل من الخرافة، وتحرير النفس من الكسل، وتحرير الاقتصاد من التبعية، هي صور حديثة للعبور العظيم، ويمكن تحقيق ذلك من خلال دمج المفاهيم التنموية والبيئية والاقتصادية الخاصة بمشروعات سيناء في المناهج الدراسية، وتشجيع الطلاب على المشاركة في مبادرات العمل التطوعي وريادة الأعمال، ليكونوا شركاء فاعلين في صياغة مستقبل وطنهم.
كما تتطلب الرؤية التربوية تأكيداً على قيمة السلام القائم على العدل والقوة، وأن يفهم النشء أن مصر دولة محبة للسلام من موقع القوة، وتسعى للبناء، ولكنها في الوقت ذاته قادرة على حماية مقدراتها وسيادتها، إن استرداد سيناء كان فاتحة لكتاب من المجد والعمل.
إننا مدعوون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لاستلهام روح التحدي والإصرار التي صنعت هذا النصر، لنواصل مسيرة البناء والتطوير، إن سيناء اليوم تنادي أبناءها ليزرعوا أرضها، ويبنوا مصانعها، وينيروا دروبها بالعلم والمعرفة، وبالتوازي مع هذا الجهد التنموي الجبار، تظل مسؤوليتنا الكبرى هي بناء الإنسان المصري، وتنشئة جيل واعٍ ومدرك لتاريخه، متسلح بالعلم والإيمان، ومستعد لحمل راية الوطن في سماء المستقبل، هكذا تكتمل الملحمة، وتظل سيناء دائماً وأبداً، جوهرة تاج مصر، ومصدر فخرها، وبوابة أملها المشرق نحو غد أفضل.
كلية التربية بنات بالقاهرة - جامعة الأزهر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك