على عكس معظم الشركات ونماذج التسويق التقليدية، لا تحاول شركة" أبل" إقناع المستهلك بأن قرارها في التصميم أو الابتكار منطقي، بل تعلمه أن المنطق نفسه متغير وفق رؤيتها.
في كل عام تقريباً، تقدم صانعة" آيفون" على خطوة تبدو – للوهلة الأولى – متناقضة مع ما روجت له سابقاً: تغيير جذري في تصميم آيفون، أو التخلي عن ميزة أساسية، ثم العودة عنها جزئياً بعد عام أو اثنين.
ومع ذلك، لا يفقد المستهلك ثقته، بل غالباً ما يزداد تمسكاً بالعلامة.
تفسر بعض النظريات في علم النفس الاجتماعي هذا السلوك، بينما تكشف دراسات سلوك المستهلك آليات التطبيق التي تأخذ نموذج" أبل" إلى مختبرات دراسة الحالة كتطبيق يدر عشرات المليارات من الدولارات، ويعيد تشكيل اقتصادات كبيرة عالمياً.
لسنوات نجحت" أبل" في السيطرة على ما هو أخطر من القرار الشرائي من جانب المستهلك، حيث تشير المبيعات القياسية التي حققها هاتفها الجديد" آيفون 17" خلال الربع الأول من العام الجاري إلى استراتيجية تجعلها مسيطرة على" معايير الحكم" بحسب ما قدمه ليون فيستينغر في نظرية" التنافر المعرفي" عام 1957، والتي تقول" إن الإنسان حين يتخذ قراراً مكلفاً سواء؛ مالياً أو نفسياً، أو غيره.
وظهرت لاحقاً معلومات تناقضه، فإنه يميل إلى تغيير تفسيره لا قراره لتخفيف الألم النفسي".
على سبيل المثال، في عام معين، تطلق" أبل" تصميماً جديداً لآيفون.
سريعاً ما يفسره المستهلك بأنه دليل على الحداثة والتطور.
ولكن بعد عام إذا أعادت عنصر قديم إلى التصميم مثل" الحواف المربعة" أو" النوتش"، فإن المستهلك نفسه من يتولى عملية الدفاع، معللاً التغيير بأنه عبقرية، وأن النسخة الأقدم كانت خطأ.
لكن، كيف يحدث هذا دون تناقض داخلي مؤلم؟ ، ببساطة لأن" أبل" لا تبيع التغيير، بل تبيع السردية.
في عام 2024، ذكر رجل الأعمال ووزير التجارة المصري الأسبق، رشيد محمد رشيد في حوار لمجلة" إنيغما" أن قطاع السلع الفاخرة يختلف عن القطاعات الاستهلاكية العادية بأن" تصميم المنتج يأخذ الجانب الأكبر من الجهد، ويحدد من ناحية العلامة التجارية لا من جانب المستهلك"، ولكن" المهم هي القصة التي سيرويها المنتج الجديد.
فكلما كانت قوية ومعبرة كلما كان النجاح والتأثير أكبر".
قد يفسر هذا جانباً من السردية، مع ارتفاع أسعار هواتف آيفون خلال السنوات الماضية.
حيث تعتمد" أبل" على مبدأ نفسي عميق، وهو أن العقل البشري لا يبحث عن الاتساق.
بل عن قصة مريحة.
عندما أزالت مدخل السماعة (3.
5mm) من هواتف آيفون، كان البعض يراه؛ قراراً غير منطقياً، ولكن" أبل" لم تقل" نحن نخطئ"، بل قالت: " نقود المستقبل"وبعد عامين، كان المستهلك نفسه، يسخر ممن يملك هاتفاً بسماعة سلكية، رغم أنه رفض الفكرة أولاً.
لماذا؟كأن القصة هنا، عن اختبار الولاء: " من يفهمنا.
سيفهم القرار"، ليتحول بذلك المستهلك من قاض إلى محام يدافع عن قرارات الشركة، ليتدرج المستهلك في سلسلة تبدأ من أن السعر المرتفع يولّد الحاجة النفسية إلى التبرير، ثم يتحول المبرر إلى قناعة، تتطور مع الوقت إلى هويّة.
يعرف هذا في علم النفس الاستهلاكي ببناء الهوية عبر العلامة التجارية ما يجعل المستهلك" يدافع عن أبل كدفاع عن الذات".
مع طرح النسخة الجديدة من هاتف" آيفون 17" كانت أرقام المبيعات مفاجأة على الرغم من أن أبل لم تقدم أي شيء جديد يذكر عن الذكاء الاصطناعي، بينما كان المنافسون من هواوي وسامسونغ وغيرهم يطرحون نسخ أكثر تطوراً.
التفسيرات الأولية ذهبت إلى" سر اللون البرتقالي" في عمليات الجذب، على الرغم من انتقادات لاحقة وجهت للون نتيجة تغيره إلى" لون وردي" في بعض الهواتف.
هذه الآلية النفسية لم تبق في إطار النظريات، بل ترجمتها أبل إلى نتائج مالية تاريخية.
إيرادات أبل: 143.
8 مليار دولار، بزيادة 16% على أساس سنويصافي الربح: 42.
1 مليار دولارربحية السهم: 2.
84 دولار (+19% سنوياً)إيرادات آيفون: 85.
27 مليار دولاروصفت" أبل" الطلب على هاتف" آيفون 17" بأنه" مذهل" في جميع الأسواق، بحسب ما ذكرته شبكة" CNBC".
وفي الصين السوق الأصعب تقليدياً أمام العلامات الأجنبية قفزت شحنات آيفون بنسبة 20% خلال الربع الأول من 2026، رغم انكماش سوق الهواتف الذكية هناك بنحو 4%، مدفوعة أساساً بالإقبال على سلسلة آيفون 17.
وول ستريت عبرت عن إعجابها بتقييم السهمرد فعل المستثمرين كان سريعاً، حيث قفز سهم" أبل" بنحو 1–2% في التداولات اللاحقة لإعلان النتائج، بعد أن تجاوزت أرباح السهم التقديرات بنحو 0.
17 دولار.
ما تفعله أبل يتجاوز بيع هاتف جديد كل عام.
هي تبني سردية متماسكة تجعل المستهلك:يبرر التغيير ثم يدافع عنهيتقبل التناقض باعتباره" مرحلة تطور"ويربط اليوم قراره الشرائي بذاته، لا بالمنتج فقطهذه العلاقة العاطفية تفسر كيف يمكن لأبل أن، تلغي ميزة أساسية، ثم تعيدها لاحقاً بصورة مختلفة، دون أن تدفع ثمن ذلك في ولاء العملاء أو المبيعات بل العكس تماماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك