الرباط ـ القدس العربي: حذّرت نقابة «الاتحاد الوطني للشغل في المغرب» من تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، في ظل تصاعد موجة الغلاء وتزايد الضغوط على القدرة الشرائية، محذرةً من تداعيات استمرار ارتفاع الأسعار وتفاقم الاختلالات الاجتماعية.
وفي مؤتمر صحافي عقد في الرباط الثلاثاء، قال محمد زويتن، الأمين العام للنقابة نفسها، إن «الشغل الشاغل للمغاربة اليوم هو غلاء الأسعار الذي بات يهدد الاستقرار الاجتماعي»، مشيراً إلى أن النقابة اختارت شعار «نضال مستمر لمواجهة الغلاء والدفاع عن كرامة المغاربة» بمناسبة فاتح أيار/ مايو المقبل، تعبيراً عن حجم الاحتقان الذي يعيشه العمال.
وأعلن في هذا السياق عن تنظيم مسيرات مركزية في الرباط والدار البيضاء، إلى جانب أشكال احتجاجية أخرى في عدد من الأقاليم، للدفاع عن مطالب العمال والطبقات المتوسطة والفقيرة.
وانتقد زويتن السياسات الحكومية، معتبراً أنها «تدعم رجال الأعمال والموردين وأصحاب النقل، في حين تُهمّش المواطن البسيط وصغار التجار والفلاحين وذوي الدخل المحدود».
ودعا رئيس الحكومة وأعضاءها إلى النزول إلى الأسواق للاطلاع على الأسعار المرتفعة للمواد الأساسية، مثل الطماطم والبصل، التي بلغت حوالي 16 درهماً للكيلوغرام (نحو 1.
6 دولار أمريكي)، متسائلاً عن قدرة الأسر ذات الدخل المحدود أو العاملين بالحد الأدنى للأجور على مواجهة تكاليف المعيشة المتزايدة.
كما عبّر المسؤول النقابي عن مخاوف واسعة لدى المغاربة من الارتفاع المرتقب في أسعار أضاحي عيد الأضحى، داعياً الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لخفض الأسعار، عبر تقليص الضرائب والحد من هوامش أرباح الشركات.
واعتبر أن الحكومة «فشلت في تدبير ملفات أساسية»، من بينها التقاعد والتعليم والصحة، فضلاً عن عجزها عن التحكم في التضخم، مشيراً إلى وجود «تضارب واضح بين الأرقام الحكومية وتلك الصادرة عن مؤسسات رسمية مثل المندوبية السامية للتخطيط وبنك المغرب».
وسجلت النقابة، وفق المعطيات التي عرضتها، ارتفاع أسعار اللحوم بنسبة تصل إلى 68 في المئة، والخضر بأكثر من 40 في المئة، إلى جانب الزيادة الكبيرة في أسعار المحروقات، وهو ما يفاقم معاناة المواطنين ويؤثر بشكل مباشر على مختلف مناحي الحياة اليومية.
كما لفت زويتن إلى أن معدل البطالة تجاوز 13 في المئة، متسائلاً عن التدابير الحكومية الموجهة لهذه الفئة، في ظل غياب حلول ملموسة.
وفي سياق مواقفه ذات البعد الدولي، جدد «الاتحاد الوطني للشغل» عبر أمينه العام، تضامنه مع الشعب الفلسطيني، مشيداً بصمود الشغيلة الفلسطينية ونضالها من أجل العيش الكريم وانتزاع حقوقها المشروعة.
كما دعا إلى تحرك دولي لنصرة القضية الفلسطينية، مطالباً الحكومات العربية والإسلامية باتخاذ مواقف أكثر صرامة، من بينها مقاطعة إسرائيل، التي وصفها بأنها «بؤرة توتر في العالم».
وفي السياق ذاته، طالب الاتحاد الدولة المغربية بمراجعة اتفاقياتها مع الجانب الإسرائيلي، بما ينسجم مع مواقف الشارع المغربي الداعم للقضية الفلسطينية.
وفي سياق متصل، كشف خالد السطي، المستشار البرلماني عن «الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب»، خلال المؤتمر الصحافي ذاته، أن النقابة واكبت قضايا الحوار الاجتماعي داخل المؤسسة التشريعية من خلال عمل رقابي مكثف، حيث تم توجيه 79 سؤالاً شفهياً و89 سؤالاً كتابياً للحكومة، تمحورت أساساً حول ملفات الحوار الاجتماعي وأوضاع الطبقة العاملة.
واعتبر أن هذا الحضور البرلماني يعكس حرص النقابة على نقل انشغالات المواطنين إلى قبة البرلمان، غير أنه انتقد، في المقابل، ما وصفه بضعف تفاعل الحكومة مع هذه الأسئلة، واستمرار تعثر عدد من الإصلاحات المتفق عليها، وعلى رأسها إخراج قانون النقابات المهنية، رغم كونه موضوع اتفاق سابق ضمن جولات الحوار الاجتماعي.
وفي عرض مفصل، قدم الاتحاد حزمة من المطالب العاجلة، في مقدمتها الرفع الفوري للأجور والمعاشات بما يتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتفعيل السلم المتحرك للأجور والأسعار لضمان التكيف التلقائي مع تقلبات السوق.
كما دعا إلى تسقيف أسعار المحروقات والمواد الأساسية، ومواجهة ما وصفه بـ»تغول شركات المحروقات»، إلى جانب تمكين مجلس المنافسة من صلاحيات زجرية لردع الاحتكار والمضاربات.
وطالبت النقابة كذلك بمراجعة الضريبة على الدخل وتخفيف العبء الجبائي عن الأجراء، مقابل فرض ضرائب على الثروة والأرباح الاستثنائية، بهدف تمويل ورش الحماية الاجتماعية بشكل أكثر عدلاً.
كما شددت على ضرورة استعادة مصفاة «لاسامير» لدورها في تكرير البترول، باعتبارها رافعة أساسية للأمن الطاقي وخفض كلفة المحروقات.
وفيما يتعلق بالحماية الاجتماعية، نبه «الاتحاد الوطني للشغل» إلى وجود اختلالات كبيرة، حيث لا يستفيد نحو 11 مليون مغربي من التغطية الصحية، ولا يتمتع حوالي 5 ملايين بنظام تقاعد، داعياً إلى إصلاح شامل يضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية.
كما حذر من أي توجه لرفع الدعم عن المواد الأساسية دون توفير بدائل حقيقية، معتبراً أن تحميل الفئات الهشة كلفة الإصلاحات الاقتصادية «أمر غير مقبول».
كما عبرت النقابة عن رفضها لما وصفته بمحاولات «تقييد الحق في الإضراب»، داعية إلى سن قانون نقابي عادل يضمن التعددية والاستقلالية، وإدماج القطاع غير المهيكل لحماية ملايين العمال من الهشاشة، فضلاً عن تعزيز دور تفتيش الشغل لضمان احترام شروط السلامة والصحة المهنية.
وفي ختام المؤتمر الصحافي، حذر «الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب» من أن استمرار «المقاربة المحاسباتية» التي تغلب التوازنات المالية على الاجتماعية، قد يؤدي إلى «احتقان متزايد ينذر بانفجار اجتماعي»، داعياً إلى تبني سياسات أكثر إنصافاً تضع المواطن في صلب التنمية، وتعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية كمدخل أساسي للاستقرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك