طرابلس – «القدس العربي»: في لحظة سياسية توصف بالحساسة، تعود المسارات الأممية في ليبيا إلى الواجهة مجدداً، عبر محاولة إعادة تحريك العملية السياسية التي ظلت عالقة لأشهر طويلة بين تعثر التشريعات الانتخابية واستمرار الانقسام المؤسسي.
وبينما تتراكم المبادرات دون نتائج حاسمة، تسعى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى اختبار صيغة جديدة للحوار، تقوم على تقليص عدد الأطراف وتكثيف النقاش حول نقاط محددة، في محاولة لتجاوز حالة «الشلل السياسي» التي باتت السمة الأبرز للمشهد الليبي في المرحلة الراهنة.
وفي هذا السياق، أفادت وسائل إعلام ليبية ووكالات دولية بأن لجنة الحوار المصغّرة «4+4» ستعقد أول اجتماعاتها يوم الأربعاء في العاصمة الإيطالية روما، برعاية بعثة الأمم المتحدة، في خطوة تهدف إلى دفع المسار السياسي عبر آلية محدودة التمثيل، تضم عدداً من الفاعلين الرئيسيين في البلاد.
وتأتي هذه الخطوة ضمن تحركات أوسع تقودها البعثة لإيجاد مخرج عملي لحالة الانسداد التي تعرقل الوصول إلى الانتخابات.
وبحسب الترتيبات المعلنة، تتشكل اللجنة من ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية، والمجلس الأعلى للدولة، ومجلس النواب، إلى جانب ممثلين عن قيادة حفتر في شرق البلاد، بما يعكس محاولة أممية لجمع مراكز القرار الفعلية ضمن إطار حواري واحد، ولو بشكل مصغّر.
وتهدف هذه الصيغة، وفق مصادر مطلعة، إلى منع أي مسار موازٍ قد ينشأ خارج المظلة الأممية، خصوصاً في ظل مؤشرات على تقارب مباشر بين بعض الأطراف برعاية دولية موازية.
وكانت المبعوثة الأممية هانا تيتيه قد أعلنت خلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن بدء التواصل مع «مجموعة مصغّرة» من الفاعلين السياسيين، موضحة أن هذه الخطوة تستهدف تمهيد الطريق أمام المؤسسات الليبية لتنفيذ المرحلتين الأوليين من خريطة الطريق، والمتعلقتين بالإطار الانتخابي وإعادة تفعيل المفوضية العليا للانتخابات.
وأقرت تيتيه بوجود تحفظات محلية على هذا المسار، لكنها شددت على أنه يمثل محاولة عملية لتجاوز التعثر القائم.
وأكدت تيتيه أن اللجنة المصغّرة ليست بديلاً عن «الحوار المهيكل»، بل آلية تكميلية لمعالجة عوائق محددة، وعلى رأسها القوانين الانتخابية وآلية تشكيل مجلس المفوضية.
وأضافت أن الحوار المهيكل سيظل المسار الأوسع، كونه يضم طيفاً أوسع من الفاعلين ويهدف إلى صياغة رؤية وطنية شاملة للإصلاحات السياسية والتشريعية.
وفي تفسيرها للجوء إلى هذا الخيار، أوضحت المبعوثة الأممية أن مجلسي النواب والدولة لم ينجحا، بعد مرور نحو ثمانية أشهر على إطلاق خريطة الطريق، في تحقيق تقدم ملموس في المرحلتين الأوليين، رغم تكليفهما بذلك، وهو ما دفع البعثة إلى البحث عن مسار بديل قادر على كسر الجمود وإعادة إطلاق العملية السياسية من نقطة عملية.
وتشير معطيات متقاطعة إلى أن نقاشات «4+4» لن تقتصر على الجوانب القانونية والفنية المتعلقة بالقوانين الانتخابية، بل ستتوسع لتشمل البيئة المحيطة بالعملية الانتخابية، بما في ذلك الترتيبات الأمنية، ودور المؤسسة القضائية، وطبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والانتخابات.
ووفق مصادر مطلعة، فإن الهدف هو بناء منظومة انتخابية متكاملة، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة جزئية للنصوص القانونية.
وفي هذا الإطار، تسعى البعثة إلى دفع المشاركين نحو التوافق على ثلاث قضايا رئيسية، تتمثل في ضمان حياد الترتيبات الأمنية عن العملية الانتخابية، وتوحيد آليات الفصل القضائي في الطعون، إضافة إلى تحديد دور الحكومة بما يمنع أي تأثير مباشر على مجريات الانتخابات.
وتستند هذه المقاربة إلى قناعة أممية بأن الإشكال في ليبيا لا يقتصر على القوانين، بل يمتد إلى تداخل المسارات السياسية والأمنية والقضائية.
في المقابل، لم يخلُ هذا التحرك من تحفظات داخلية، حيث سبق لرئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي أن عبّر عن رفضه لصيغة اللجنة المصغّرة، مؤكداً أن أي ترتيبات سياسية، خاصة تلك المرتبطة بالاستحقاق الانتخابي، يجب أن تستند إلى إطار دستوري وقانوني واضح، بما يضمن نزاهة العملية السياسية وعدم تجاوز المؤسسات الرسمية.
كما أعرب المجلس الأعلى للدولة عن قلقه من أي مسارات قد تتجاوز الإرادة الشعبية أو تلتف على الأطر الشرعية، منتقداً ما وصفه بانتقائية البعثة في التعامل مع بعض الأطراف دون غيرها.
وحذر من أن مثل هذه المقاربات قد تفتح الباب أمام ترتيبات غير متوازنة، وتزيد من تعقيد المشهد السياسي بدلاً من حله.
وتأتي هذه التحفظات في ظل سياق أوسع من التنافس بين المسارات الدولية المختلفة، حيث تشير تقارير إلى قلق أممي من تأثير المقاربة الأمريكية التي دفعت نحو تقارب مباشر بين حكومة طرابلس وقيادة شرق البلاد، برعاية مستشارين دوليين، وهو ما تعتبره البعثة تحدياً لمسارها التقليدي، خاصة إذا ما تطور إلى صيغة سياسية موازية خارج الإطار الأممي.
وفي محاولة لاحتواء هذا التطور، يبدو أن الأمم المتحدة تسعى إلى دمج هذه التفاهمات ضمن مسارها الخاص، عبر إشراك مختلف الأطراف في الطاولة المصغّرة، بما يضمن بقاء أي اتفاقات محتملة تحت مظلة دولية موحدة، ويمنع تحولها إلى ترتيبات منفردة بين قوى الأمر الواقع.
وبين الرغبة الأممية في تسريع المسار السياسي، والتحفظات المحلية على آلياته، يبقى اجتماع روما اختباراً حقيقياً لمدى قدرة هذه الصيغة المصغّرة على تحقيق اختراق فعلي في جدار الأزمة.
فإما أن تنجح في تقديم حلول عملية تمهد للانتخابات، أو تنضم إلى سلسلة المبادرات التي اصطدمت بتعقيدات المشهد الليبي دون أن تغير مساره بشكل جذري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك