عندما اندلعت الحرب في السودان قبل ثلاث سنوات، صبيحة الخامس عشر من أبريل 2023م، في الخرطوم، لم تكن -كما وصفها البعض- حرب جنرالين أو حربًا بين قوتين عسكريتين متنافستين على السلطة، وإنما كانت حصادًا لتاريخ طويل من الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية على مدى أكثر من ستة عقود من الحكم الوطني، تقلبت فيها الحكومات المتعاقبة ومرت فوق كل الأيديولوجيات السياسية.
وشهدت الدولة خلال تلك الفترة تحولات عالمية كبيرة شكّلت العالم والمنطقة.
ومع كل الأحداث والمتغيرات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة، حافظت الدولة على حدودها التي رسمها المستعمر، حتى عام 2011م.
وتماشيًا مع مقتضيات الواقع الصعبة والمعقدة انفصل الجنوب وكوّن دولته.
الآن، مع التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، والحرب العنيفة التي تخوضها البلاد، لا شك أن ذلك سيلقي بظلاله على مستقبل البلاد.
وبالتالي قد يتساءل المرء: هل سيتمكن السودان من المحافظة على ما تبقى من حدوده كدولة واحدة متماسكة؟إن الموقع الجغرافي الذي يقع فيه السودان جعله يتأثر بكل المتغيرات التي تحدث في العالم والجوار الإقليمي، إذ يحيط بالسودان جوار غير مستقر ومتقلب، يتداخل معه في جوانب مختلفة سياسية واجتماعية وثقافية.
من ناحية الشمال هناك ارتباط تاريخي مع مصر، التي ترى السودان جزءًا لا يتجزأ منها تاريخيًا، وبالتالي ينبغي أن يكون لها كلمة في كل ما يحدث في الداخل السوداني.
وفي الشرق إثيوبيا وإريتريا، وللسودان معهما تاريخ من العداء تحول إلى حروب بالوكالة، مما خلق توترًا مستمرًا وحالة عدم استقرار دائمة في المنطقة.
وفي الجنوب الغربي تقع جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد، وكلتاهما لديهما روابط سياسية وعرقية مع السودان.
وفي الغرب ليبيا، التي لعب نظام القذافي فيها سابقًا أدوارًا محورية في فترة من الفترات، وهي الآن دولة غارقة في حرب داخلية تهدد وحدتها.
وفي الجنوب دولة جنوب السودان التي خرجت من السودان حاملة معها تاريخًا طويلًا ومريرًا من العداء مع الشمال، تراكم عبر سنوات الحرب الأهلية الطويلة.
لم يكن للسودانيين أي دور في إنشاء دولتهم القومية.
لقد حُددت حدود الدولة على خرائط في أوروبا بواسطة أوروبيين ربما لم تطأ أقدامهم إفريقيا قط، دون أي اعتبار للتداخلات السكانية والعرقية والروابط الثقافية التاريخية.
فمن كانوا يتشاركون السكن واللغة والعادات والتقاليد والتاريخ والجغرافيا والدين، وجد بعضهم نفسه داخل حدود دولة، بينما وُجد خاله أو عمه في حدود دولة أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، أحدث الاستعمار ضررًا كبيرًا في نظام الحكم الذي كان سائدًا من قبل.
وذلك بتدمير النظام التقليدي، وأحلّ محله نظامه الحديث للحكم، لكن لقصر الفترة التي مكثها النظام الاستعماري، لم يتم تثبيت النظام الغربي الجديد للحكم بشكل فعال في جميع المستويات.
وبالتالي عند خروجهم، كان لا يزال هناك وجودٌ لأنظمة الحكم والإدارة التقليدية.
الأمر الذي خلق توترًا مستمرًا بين التقاليد والحداثة الغربية، حتى يومنا هذا نجد في المناطق الريفية لا يزال الشيوخ والعُمَد والزعماء المحليون يملكون نفوذًا ربما أكبر من نفوذ الدولة.
أما في المدن، فعلى مدار الحكم الوطني حاولت النخبة السياسية خلق وعي سياسي مختلف، وبناء قاعدة نفوذ قائمة على قواعد الحكم الحديثة: الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، من أجل كسر الولاءات القديمة للشيوخ والعمد والزعماء المحليين، واستبدالها بالولاء لمنظماتهم السياسية.
ومعظمها لم ينجح.
هكذا ورثت النخبة الوطنية الدولة بكل ما فيها من تعقيدات؛ فبعد الاستقلال مباشرة، ولأسباب جغرافية وعرقية وثقافية، توجهت النخبة التي قادت البلاد نحو الاستقلال بمشروع عروبي، وكان ذلك بمثابة الرصاصة الأولى التي أُطلقت على طريق بناء الوحدة الوطنية.
حيث كان الجنوب يشعر بعدم الأمان والرضا تجاه الشمال العربي المسلم، قبل الاستقلال نفسه؛ فذلك التوجه زاد مخاوف الجنوب الذي دخل في حرب أهلية مع الشمال.
استمرت الحرب حتى صعود نميري ذي التوجه اليساري إلى السلطة بانقلاب عسكري مدعوم من الحزب الشيوعي السوداني.
وقد بدأ بداية جادة لخلق مشروع وطني شامل يستوعب جميع السودانيين، وبموجبه توصل إلى اتفاقية أديس أبابا في عام 1972م، التي مُنح الجنوب بموجبها حكمًا ذاتيًا إقليميًا.
لكن التقلبات الجيوسياسية في العالم، وصراعات الحرب الباردة، والخلافات السياسية الداخلية، جعلت نميري يتخبط، متنقلًا من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، عاقدًا تحالفات لا تُحصى ولا تُعد.
وبعد ستة عشر عامًا من التخبط، ألغى خلالها اتفاقية أديس أبابا، انتهى حكمه بثورة شعبية أطاحت به في منتصف الثمانينيات.
وتزامنت تلك الحقبة مع بلوغ الحرب الباردة ذروتها، حيث دعم المعسكر الرأسمالي الحركات الإسلامية في المنطقة لمواجهة المد الشيوعي، بعد تراجع دور القوميين العروبيين والوطنيين في التصدي لتلك المهمة، أو تحالفهم مع المعسكر الشرقي في بعض الدول.
ومع نهاية الحرب الباردة، صعدت الحركة الإسلامية إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، وحكمت البلاد ثلاثين عامًا، شهدت البلاد في عهدها تحولات بنيوية كبيرة.
ومن أجل أن تحافظ على حكمها، عقدت عدة تحالفات وأجرت العديد من التحولات التكتيكية، وفي نهاية المطاف تنازلت عن الجنوب من أجل المحافظة على حكم الشمال.
لكن لم يمضِ الأمر كما كان مخططًا له؛ ففي عام 2019 أطاحت بها ثورة شعبية أنهت حكمها.
بكل هذا التاريخ الطويل من التحولات الجيوسياسية والاستراتيجية، والحروب الداخلية الطويلة، وسنوات من عدم الاستقرار السياسي الداخلي والجوار الإقليمي المعقد، جاءت حرب الخامس عشر من أبريل 2023م لتضع السودان مرة أخرى أمام تحدٍّ جديد، حول ما إذا كان سيستمر كدولة واحدة، في ظل تحولات جيوسياسية إقليمية وعالمية تريد إعادة هندسة المنطقة بما يتماشى مع مصالحها.
ولأول مرة في تاريخ السودان المثقل بالحروب الداخلية والانقسامات، تلجأ جماعات معارضة إلى فرض أمر واقع بحكومة موازية، وإن كان ليس لها تأثير يُذكر حتى الآن، لكن لا ندري ما تخبئه الأيام.
للموقع الجغرافي الذي تقع فيه الدولة، والموارد التي تمتلكها، دورٌ محوري في تشكيل مستقبل الدولة وشعبها.
تعد الصومال مثالًا جيدًا حول كيفية تأثير الموقع الجغرافي الاستراتيجي على الدولة، عندما يتزامن مع صراعات داخلية بين نخب سياسية تضع مصالحها وبقاءها في السلطة فوق مصالح دولتها وشعبها.
يقع الصومال في موقع جغرافي مهم، وكانت القوى العظمى تتنافس بشدة على كسبه حليفًا استراتيجيًا في منطقة القرن الإفريقي.
ذلك جعله ساحة لصراع القوى العظمى؛ فعندما يقف طرف مع الحكومة، يدعم الطرف الآخر المعارضة.
هكذا وجد محمد سياد بري، رئيس الصومال السابق الذي حكم البلاد بين عامي 1969 و1991، وآخر رئيس للصومال الموحدة، نفسه بين قوتين عالميتين تتنافسان على كسب بلاده حليفًا ضد الأخرى.
وهو بدوره اتخذ ذلك سبيلًا للتلاعب بكلا الطرفين من أجل النجاة بنظامه.
لكن كان الثمن فادحًا على مستقبل بلاده؛ فقد حوّلت تلك اللعبة الخطرة بلاده إلى ترسانة من الأسلحة والرصاص.
وعندما بدأت الحرب الأهلية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، كان عدد البنادق في البلاد أكثر من عدد السكان.
بالرغم من أن عوامل نجاح الصومال كدولة قومية كانت موجودة قبل قيام الحدود السياسية، فالصومال واحدة من دولتين في إفريقيا جنوب الصحراء، بجانب بوتسوانا، حيث ينتمي شعبها إلى نفس المجموعة العرقية بنفس الثقافة واللغة.
الصومال أيضًا يوحّدها الدين نفسه، الإسلام، لكن لعنة المكان الجغرافي الاستراتيجي والحسابات التكتيكية الخاطئة، وسوء التدبير والتقدير من النظام الحاكم والنخبة السياسية، جعلت البلد يدخل في أسوأ حرب عانت منها أي دولة.
ولم تستطع حتى اليوم أن تستعيد نفسها.
فبدلًا من أن يعمل على بناء استراتيجية وطنية قائمة على مصالح دولته وشعبه، اختار محمد سياد بري التنقل بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، لكي يحافظ على نظامه السياسي، فكان الثمن البلاد كلها.
وهو عين ما فعلته حكومة الإنقاذ في السودان؛ ضحّت بوحدة البلاد لتضمن بقاء حكمها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك