تفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي مخالفات على أبسط ممارسات الفلسطينيين اليومية في القدس المحتلة، مثل تعليق الملابس المغسولة أمام المنازل، أو صف المركبات الخاصة في الشوارع، أو تركيب لافتات للمحال التجارية.
تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي التضييق على أهالي القدس المحتلة في مختلف تفاصيل حياتهم اليومية؛ ساعية إلى خنقهم وإثقال كاهلهم بالأعباء المعيشية والاقتصادية، ضمن سياسات ممنهجة تهدف إلى دفع المقدسيين إلى ترك بيوتهم في المدينة ومحيطها، وإجبارهم على الرحيل في إطار مشروع تهجير مستمر يستهدف الوجود الفلسطيني بالكامل.
وفي الآونة الأخيرة، شهدت بلدة جبل المكبر جنوب شرقي القدس، حملة واسعة لتحرير المخالفات، يصفها السكان بأنها ذات طابع انتقامي واضح، وليس إجراء قانونياً اعتيادياً.
ويستدل عضو اللجنة الأهلية للدفاع عن حقوق أهالي جبل المكبر، راسم عبيدات على ذلك بحالات ميدانية موثقة، من بينها وقائع حصلت يوم الأحد الماضي، بحقّ 5 منازل في حيّ" أبو جمل" داخل البلدة.
ويؤكد عبيدات لـ" العربي الجديد"، تعرضه شخصياً للمخالفة ذاتها، قائلاً: " قبل عدّة أسابيع، اقتحم أفراد من طواقم بلدية الاحتلال منزلي بحجة وجود منشر غسيل داخل حدود المنزل، وتم تحرير مخالفة بقيمة 750 شيكلاً إسرائيلياً (نحو 240 دولاراً)، فاعترضت على المخالفة، فقاموا بجولة تفقدية في المحيط، وحرروا مخالفتين إضافيتين بالقيمة ذاتها بزعم وجود أكياس قمامة إلى جانب بوابة المنزل، إضافة إلى بعض التمديدات الصحية، رغم أنها جميعاً تقع ضمن حدود الملكية الخاصة، حتى إن المخالفات بدأت تمتد إلى الأحواض الزراعية المحيطة بالمنازل".
ويؤكد عبيدات أن" هذه المخالفات باتت تُفرض على تفاصيل تافهة، وجميعها غير قانونية، ولا تستند إلى أي شرعية حقيقية، وهي تندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي التي تُمارس بحق المقدسيين، إلى جانب إجراءات أخرى مثل هدم المنازل، وإصدار إخطارات بالهدم بحجة البناء غير المرخص، في سياق عام يتسم بالنزعة الانتقامية.
هذه السياسات تستهدف مختلف الأحياء المقدسية، مع تركيز ملحوظ على فئات محددة، من بينها النشطاء والأسرى المحررون، لكنها أيضاً تطاول مختلف الشرائح المجتمعية".
مخالفات وغرامات الاحتلال لا تُطبق في الأحياء التي يقطنها المستوطنون اليهود، سواء في القدس الشرقية أو الغربيةوبحسب عضو اللجنة الأهلية للدفاع عن حقوق أهالي جبل المكبر: " يضطر الأهالي إلى دفع المخالفات تجنباً لتراكمها، ما قد يترتب عليه تبعات قانونية وعقوبات مضاعفة، رغم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يمرون بها.
ما يجري يعكس مرحلة غير مسبوقة من استهداف تفاصيل الحياة اليومية للسكان الفلسطينيين، فهذه الإجراءات لا تُطبق في الأحياء التي يقطنها المستوطنون اليهود، سواء في القدس الشرقية أو الغربية، في حين تتركز في أحياء القدس وبلدات جبل المكبر، وسلوان، وبيت حنينا، وشعفاط، وبيت صفافا، ما يعزز كونها ضمن سياسة التصيّد الممنهج، لا سيما في ما يتعلق بمخالفات المركبات".
ويضرب عبيدات مثالاً يصفه بـ" الصادم" حيال طبيعة المخالفات التي تصدر بحقّ المقدسيين، قائلاً إنه شهد تسجيل مخالفة بقيمة 500 شيكل إسرائيلي (نحو 161 دولاراً) بحق والد طفل مقدسي، بدعوى أن الطفل ألقى قطعة حلوى صغيرة في الشارع، رغم أن والده لم يشاهد الواقعة.
ويشدد على أن" الإشكالية لا تكمن في مبدأ تطبيق القانون المنحاز أصلاً، بل في آليات تنفيذه التي تُستخدم كأداة للضغط على الأهالي وإثقال كاهلهم الاقتصادي في ظل ظروف معيشية صعبة.
هذه الحملات تأتي في إطار محاولات الاحتلال تحميل فلسطينيي القدس جزءاً من الأعباء الاقتصادية المرتبطة بالحرب على إيران".
بدوره، يشير المستشار القانوني لمحافظة القدس، مدحت ديبة، إلى أنّ الاحتلال يسعى إلى جعل هذه المخالفات تمهيدية لإجبار سكّان مخيّمات القدس (شعفاط وقلنديا ومحيطهما) على دفع الضريبة المسماة (الأرنونا)، وهي الضريبة السنوية على الأملاك والعقارات، ما يعني أن نحو مئة ألف مقدسي في ضواحي القدس، سيكونون ملزمين بدفع هذه الضريبة، وهذا يعني تحصيل مئات الملايين من الشواكل لصالح سلطات الاحتلال من تلك المناطق.
ويوضح ديبة لـ" العربي الجديد"، أنّ" اللاجئين من سكّان المخيّمات معفيون بحسب قرارات الأمم المتحدة من ضريبة الأرنونا، والتي تُجبى من السكان لصالح السلطات الإسرائيلية، والتي تهدف إلى تمويل أنشطتها وخدمات الهيئات المحلّية الإسرائيلية، ما يعني أن فرض تلك الضريبة على سكان المخيّمات يشكّل من حيث المضمون إلغاءً عملياً لقضية اللاجئين وحقوقهم القانونية".
ويصف ما يجري بأنه" حالة من الإجبار تُمارَس بحق السكان من دون أي ذريعة قانونية حقيقية، فتلك الإجراءات تستند إلى لوائح تُعرف باسم (قانون المساعدة للقدس)، والتي تمنح الشرطة الإسرائيلية وطواقم بلدية الاحتلال صلاحيات واسعة، تشمل إزالة البسطات من الشوارع والأحياء بذريعة التعدي على الطرق، وإزالة مناشر الغسيل من أمام المنازل بحجة وجودها في الحيز العام، إلى جانب تحرير مخالفات بحق المركبات والمطاعم والمحال والمكاتب بدعوى مخالفة معايير وشروط البلدية، لكن الواقع أن هناك تفنّناً واضحاً في ابتداع هذه المخالفات وتوسيع نطاقها، والهدف الأساسي من هذه السياسات هو فرض السيادة الإسرائيلية على مخيمَي شعفاط وقلنديا، وكذلك على أحياء القدس، وإخضاع سكانها لمنظومة الضرائب الإسرائيلية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك