ما يحدث في السودان اليوم ليس حربًا أهلية بالمعنى التقليدي، ولا صراعًا عابرًا على السلطة بين جيش وميليشياما يجري هو عملية تفكيك ممنهجة للدولة، تُدار من الداخل وتُغذّى من الخارج، بينما يقف العالم في موقع المتفرج أو الشريك الصامتالسرديات المريحة التي تتحدث عن “إعادة تشكيل الدولة” لم تعد كافية لتفسير ما يحدثالحقيقة أكثر قسوة , الدولة السودانية تُستبدل تدريجيًا بشبكات قوة مسلحة، واقتصاد حرب، وتحالفات أيديولوجية عابرة للمؤسساتجيش بلا حياد… وسلطة بلا تفويضالجيش السوداني، الذي يفترض أن يكون العمود الفقري للدولة، لم يعد يقف على مسافة واحدة من الجميعما نشهده هو انزلاق متسارع نحو إعادة تشكيله كأداة ضمن مشروع سياسي ضيق، تتحكم فيه شبكات أيديولوجية تسعى لاستخدام الحرب كوسيلة لإعادة إنتاج نفوذهاهذا ليس اتهامًا سياسيًا، بل توصيف لواقع يتجلى في طبيعة القرارات، والتحالفات، والخطابحين يصبح التفاوض تهديدًا، والحرب خيارًا مفضلًا، فنحن لا نتحدث عن مؤسسة وطنية، بل عن سلطة تبحث عن البقاء بأي ثمنفي السودان اليوم، لم تعد الدولة هي اللاعب الرئيسي.
هناك سوق مفتوح—بكل ما تحمله الكلمة من معنى—تتنافس فيه قوى مسلحة على الموارد والنفوذ، وتُدار فيه الجغرافيا بمنطق الغنيمة لا السيادةالذهب، الممرات، المساعدات… كلها تحولت إلى أدوات في اقتصاد حرب لا يحتاج إلى نهاية للصراع، بل يستفيد من استمرارهوالنتيجة هي دولة تتآكل من الداخل، ومجتمع يُدفع نحو الانهيار.
صراعات الداخل… معركة الغنيمة بدأتحتى داخل المعسكرات التي تبدو متماسكة، تتصاعد صراعات خفية حول ما بعد الحربالخلافات لم تعد حول كيفية إدارة المعركة، بل حول من سيحصد نتائجهاهذه ليست تفاصيل ثانوية، بل مؤشرات على مرحلة قادمة قد تكون أكثر عنفًا، حيث تنتقل المواجهة من خطوط القتال إلى داخل مراكز السلطة نفسهاالإقليم يدخل… لا ليُنهي الحرب بل ليُديرهاالسودان لم يعد ساحة داخليةهو اليوم جزء من صراع إقليمي أوسع، تُستخدم فيه الحرب كأداة لإعادة توزيع النفوذ على ضفاف البحر الأحمر وفي عمق إفريقياالدعم العسكري، التحركات السياسية، وإعادة تشكيل التحالفات وهي كلها تؤكد أن السودان أصبح ملفًا في حسابات الآخرين، لا قضية تُحل لصالح شعبهلكن الأخطر أن هذه التدخلات لا تسعى إلى إنهاء الحرب، بل إلى إدارتها بما يخدم مصالحهاالحديث عن “ضعف الاستجابة الدولية” لم يعد مقنعًا , ما يحدث أقرب إلى إدارة متعمدة للأزمة عبر التجاهلفي عالم منشغل بصراعاته الكبرى، يُترك السودان ليغرق، طالما أن تداعيات الأزمة لا تتجاوز حدًا معينًا من الإزعاج للمصالح الدوليةهذا ليس فشلًا فقط—بل خيارالسؤال اليوم لم يعد من سينتصر؟ والسوال الاهم – هل ستبقى هناك دولة أصلًا؟إذا استمر هذا المسار، فإن السودان لا يتجه نحو نهاية حرب، بل نحو تثبيت واقع جديد – بلد مُجزأ، تحكمه مراكز قوة متعددة، وتُدار موارده خارج أي إطار وطني جامعهذه ليست نهاية مفتوحة، بل بداية طويلة لتفكك قد يصبح دائمًا , بل وفي مواجهة هذا الواقع، لا يكفي الرهان على تسويات شكلية أو ضغوط دولية مترددةالمعركة الحقيقية لم تعد على السلطة—بل على بقاء فكرة الدولة نفسها أقول بكل حزن وابحث حلول في الدنيا مع كل الاطراف , السودان اليوم لا يُعاد تشكيله… بل يُعاد تفكيكه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك