قد يوحى عنوان رواية: «كوكب الموسيقى.
حيث تعيش حفيدة بيتهوفن»، للكاتب صلاح مطر، بأن النص رومانسى حالم، لا سيما أن الغلاف عبارة عن صورة كبيرة مرسومة للموسيقار الألمانى بيتهوفن، لكن قراءة متأنية للرواية تكشف رحلة مليئة بالوجع الإنسانى والظلم الذى تمارسه القوى الدولية الكبرى بحق المجتمعات الضعيفة لنهب ثرواتها الطبيعية ومحو تاريخها وإرثها الثقافى العريق، من أقصى شرق الكرة الأرضية، حيث مأساة العراق وما حل به من تخريب ممنهج، إلى أقصى الغرب، حيث حضارة مَن عُرفوا باسم «الهنود الحمر» الذين احتُلت أراضيهم وأبيدت حضارتهم، وما زال من بقى منهم يتعرض للاضطهاد والحرمان من حقوق الإنسان.
الكاتب استشرف «تقسيم الشرق الأوسط» في إحدى رواياته منذ 10 سنواتوبروايته «كوكب الموسيقى» - الصادرة عن دار «بيت الحكمة للثقافة»، فى 257 صفحة من القطع المتوسط - يكمل الكاتب صلاح مطر ثلاثية بدأها سنة 2006 برواية «الجسر الأزرق» التى صدرت فى طبعة ثانية سنة 2012، ثم رواية «الجراد الأبيض وثلاث مومياوات أعلى النهر» سنة 2016، حيث رسم فى الأخيرة قبل أكثر من 10 سنوات صورة تكاد تكون مطابقة للأحداث الجارية حالياً فى الشرق الأوسط ومخططات تقسيمه وإعادة رسم حدوده من جديد.
يُفرد صلاح مطر فصلاً كاملاً فى روايته لمذكرات الأميرة جوزفين، حبيبة بيتهوفن التى عشقته وظلت مخلصة لحبه رغم زيجاتها المتعددة، والتى رفض أهلها زواجها به بحجة أنه ليس من طبقة النبلاء؛ ما يؤكد أن مبادئ العدل والمساواة والحرية، التى يتشدق بها الغرب، هى مجرد شعارات جوفاء لا تطبق فى الواقع.
وتُفتتح رواية «كوكب الموسيقى» بمقولة مأثورة عن الموسيقار العالمى لودفيج فان بيتهوفن «موسيقاى لغة جديدة اخترعتها، لأعبّر بها عن معرفة الإنسان بخالقه».
كما يُفتتح كل فصل من فصولها السبعة عشر بقول مأثور يتعلق بالموسيقى.
ويعتمد صلاح مطر فى سرده للأحداث أسلوب المتكلم على لسان «نبيل» بطل الرواية وكأنها سيرة ذاتية، وهى مكتوبة بلغة رصينة بالعربية الفصحى، حتى فى الجمل الحوارية بين الشخصيات التى شكلت أحداثاً حافلة بقصص حب تصلح كل واحدة منها لأن تكون رواية بحد ذاتها.
تقوم الرواية فى بدايتها على فكرة الصدمة بكلمة «لوكيميا»؛ حين يعلن الطبيب أن بطلة الرواية عازفة الكمان العراقية الشابة «لمى»، مصابة بسرطان الدم نتيجة استنشاق غازات سامة إثر قصف أمريكى لبغداد سنة 2003، وتتمكن هى وأمها من الهرب لمصر بعد أن فقدت أباها وشقيقها فى الحرب.
فى القاهرة تتعرف إلى «نجوان» الفنانة التشكيلية ومعيدة بكلية الفنون الجميلة، وإلى جارها الشاب «نبيل»، الذى تنشأ بينه وبين لمى قصة حب؛ حيث تُفضى إليه بنظريتها الخاصة وإيمانها بوجود كوكب لم يُكتشف بعد، تنتمى إليه أرواح عظماء الموسيقى فى تاريخ البشرية، أمثال موتسارت، وباخ، وتشايكوفسكى، وبيتهوفن الذى تؤمن بأنه جدّها، وبأن أرواح هؤلاء العظماء تعود عند موتهم إلى ذلك الكوكب.
تتصاعد أحداث الرواية بموت «لمى» بعد أن أوصت حبيبها «نبيل» بأن يسافر إلى ألمانيا حيث وُلد «جدها» بيتهوفن، وإلى النمسا حيث عاش معظم حياته، فيرتحل «نبيل» بالفعل إلى هناك ويصطحب معه «تليسكوب» ويصعد به إلى جبال ألمانيا السبعة الشهيرة، وجبال الألب فى النمسا، إضافة إلى مرتفعات فى بلاد أخرى، وفاء لحبيبته وتنفيذاً لوصيتها، كما يلتقى المغنية والموسيقية المكسيكية، التى تنتمى إلى حضارة المايا، ويسافر هو ونجوان معها إلى بلدها، حيث الدفء الإنسانى الذى لم تلوثه الحضارة الحديثة.
ومن المكسيك إلى بيرو، حيث تستضيفهما «ألبيتا» ابنة حضارة الإنكا، والتى نذرت حياتها ونفسها لإحياء تراث أجدادها، لا سيما مدينة الشمس التى شيدها الأجداد فى المرتفعات، وتصطحب نبيل ونجوان إليها.
يرتحل «نبيل» إلى سبعة بلاد، باحثاً عن كوكب الموسيقى، لكنه فى كل بلد يكتشف ويعيش قصصاً إنسانية، تجعله يرى العالم من منظور مختلف، فيدرك أن التحضر ليس فى الأبراج الشاهقة والتكنولوجيا الحديثة بقدر ما هو كامن فى النفوس النقية، ويكتشف كذلك أن آلة الدعاية العالمية تلمِّع وتنجِّم أشخاصاً لا يستحقون الانتماء للجنس البشرى!والكاتب صلاح مطر يعمل صحفياً بمؤسسة الأهرام للصحافة والنشر، وهو عضو اتحاد الكتاب، ونُشرت له من قبل «أحلام فقيرة»، وهى مجموعة قصصية عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ورواية «نمل وفتات» عن الهيئة العامة للكتاب، إضافة إلى روايتى «الجسر الأزرق» و«الجراد الأبيض وثلاث مومياوات أعلى النهر»، وفازت قصته «تحت الرماد» بالمركز الأول فى مسابقة الكاتب العالمى نجيب محفوظ فى القصة القصيرة سنة 1994.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك