تعود الحياة إلى مخيم اليرموك، جنوبي العاصمة دمشق، بخطوات مترددة، رغم الدمار الواسع الذي ما زال يغطي أجزاء كبيرة منه.
واختارت عائلات كثيرة العودة إلى منازلها، أو إلى ما تبقى منها، وسط الأبنية المتصدعة والركام الكبير، هربا من الواقع الاقتصادي الصعب خارج المخيم، ومن الإيجارات المرتفعة التي أرهقت السكان خلال سنوات النزوح.
إيجارات مرتفعة ومنازل مدمرةفقد المخيم، الذي كان ملاذا منخفض الكلفة المعيشية لكثير من العائلات، كثيرا من ملامحه السابقة.
ومع إعادة فتح بعض المحال التجارية، وعودة المواصلات وشبكتي الكهرباء والمياه إلى بعض المناطق، ازداد الطلب على المنازل الصالحة جزئيا للسكن، وبدأت الإيجارات ترتفع بشكل ملحوظ.
وتقول سناء الخطيب، لموقع تلفزيون سوريا، إن منزلها مدمر بالكامل، وإنها عادت إلى المخيم بسبب ارتفاع الإيجارات خارجه.
وتضيف: " رجعت إلى المخيم بسبب ارتفاع الإيجارات خارجه، التي لم تعد تحتمل، لكن حتى في المخيم بدأت الإيجارات ترتفع لتصل إلى أكثر من مليون ونصف ليرة لبيوت مرممة بشكل عشوائي أو نصف مدمرة".
وتوضح سناء أنها تستأجر منزلا مكونا من غرفتين، بلا نوافذ، مع صرف صحي بدائي، مقابل مليون ونصف المليون ليرة شهريا.
وخلال جولة لموقع" تلفزيون سوريا" في المخيم، يلاحظ لجوء بعض العائلات إلى السكن داخل منازل مدمرة بالكامل أو جزئيا، رغم المخاطر.
وتجري هذه العائلات إصلاحات بسيطة، فتضع أغطية بدل النوافذ، وتقسم المساحات المتبقية لتصبح قابلة للسكن.
وتقول أم محمد، التي تضرر منزلها جزئيا: " رممنا غرفة واحدة فقط وسكنا بها".
وتضيف: " غرفة واحدة في منزلي أفضل من دفع الملايين شهريا خارج المخيم"، مشيرة إلى أن 14 عاما من دفع الإيجارات الشهرية خارج المخيم أرهقت حياتهم وصحتهم.
ويرى سكان عادوا إلى منازلهم المدمرة جزئيا في المخيم أن هذا الخيار، رغم قسوته، يبقى أقل كلفة من الاستمرار في دفع إيجارات مرتفعة خارجه أو حتى داخله.
ما تزال الخدمات ضعيفة وفقيرة في المخيم الذي كان مصدرا للحياة قبل تدميره.
ولا يزال ركام المنازل يغطي مساحات واسعة، كما تنتشر الطرقات المدمرة، ويعاني السكان من صرف صحي بدائي، وغياب شبه كامل للمراكز الطبية.
ولا يوجد في المخيم سوى مركز واحد للإسعافات الأولية، في حين ما تزال المدارس مدمرة وغير صالحة لاستئناف العملية التعليمية، بالإضافة إلى ضعف شبكة الاتصالات.
ورغم هذه الظروف، يفضل كثيرون السكن داخل المخيم بدلا من دفع الإيجارات المرتفعة خارجه.
ويقول علاء مبدى إن العودة إلى المخيم لم تكن خيارا، بل" عودة قسرية"، مضيفا: " لم نعد نتيجة تحسن الظروف، بل نتيجة قلة الخيارات".
ويشير إلى أن المخيم، حتى مع ارتفاع الإيجارات داخله، يبقى بالنسبة إلى كثيرين الخيار" الأقل سوءا".
المخيم عاصمة الشتات والتعايششكل مخيم اليرموك، لعقود طويلة، هوية للفلسطينيين في سوريا، ومساحة مشتركة للتعايش مع السوريين.
وعلى الرغم من الظروف الراهنة، لا يمكن نسيان تاريخ المخيم أو اختزاله، فقد كان واحدا من أبرز مراكز الوجود الفلسطيني في سوريا، واحتضن حياة اجتماعية وثقافية نشطة.
كما مثل المخيم نموذجا للتعايش بين الفلسطينيين والسوريين، إذ تداخلت الحياة اليومية بين الطرفين في العمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية، ضمن نسيج واحد.
وتعكس عودة السكان إلى بيوتهم المهدمة تمسكا بهذا المكان، ليس فقط بوصفه ملاذا سكنيا، بل باعتباره رمزا لذاكرة جماعية وهوية مشتركة.
ويبقى المخيم شاهدا على قدرة سكانه على الاستمرار، وعلى ارتباطهم بمكان يتجاوز كونه مجرد جغرافيا، ليصبح حكاية انتماء لا تنتهي.
ويمتد مخيم اليرموك على مساحة 2.
1 كيلومتر مربع، وهو من أكثر المناطق تضررا خلال 14 عاما من الحرب، حيث دُمّر نحو 20 بالمئة من مبانيه بشكل كامل و20 بالمئة بشكل جزئي بفعل قصف قوات النظام المخلوع.
ووفق تقرير لـ" بوابة اللاجئين الفلسطينيين" في آب الماضي، قدر عدد العائلات العائدة بنحو 1200 عائلة، في ظل محاولات فردية لترميم المنازل والبنية التحتية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك