حذّرت دراسة علمية جديدة من أن الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل قد يؤدي إلى تراجع ثقة الأشخاص بقدراتهم الذهنية، ويقلل شعورهم بامتلاك الأفكار والقرارات التي ينتجونها أثناء العمل، رغم السرعة والكفاءة التي توفرها هذه الأدوات.
الدراسة، التي حملت اسم “الاعتماد على الذكاء الاصطناعي التوليدي وتراجع الوظائف التنفيذية”، نُشرت في أبريل 2026 ضمن دورية تابعة لـ”الجمعية الأميركية لعلم النفس APA”، وأعدّتها الباحثة البريطانية “سارة بالديو”، الباحثة في الذكاء الاصطناعي وعلوم الأعصاب بجامعة “ميدلسكس” في بريطانيا.
وشملت الدراسة 1923 بالغاً من الولايات المتحدة وكندا، تراوحت أعمارهم بين 25 و57 عاماً، بمتوسط عمر بلغ 38.
4 عاماً، وجميعهم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل منتظم في أعمالهم اليومية منذ أكثر من عام.
10 مهام لاختبار التفكير واتخاذ القراراعتمد الباحثون على سلسلة من 10 مهام عملية صُممت لمحاكاة ضغوط العمل اليومية والمهارات التنفيذية المعقدة، مثل التخطيط الاستراتيجي، واتخاذ القرار، وإدارة المعلومات الناقصة، وتنظيم الأولويات، وتحليل البيانات الغامضة.
وطُلب من المشاركين استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي مثل “ChatGPT” و“Claude” و“Gemini” بالطريقة التي يستخدمونها عادة في حياتهم المهنية، دون فرض أي قيود على عدد الطلبات أو طريقة التفاعل مع الأنظمة الذكية.
وتضمنت المهام إعداد خطط مالية، وترتيب مشاريع وفق المواعيد النهائية، وحل مسائل رياضية، وصياغة استراتيجيات، وكتابة تحليلات، إضافة إلىهام تتعلق بالذاكرة والتفكير المنطقي واتخاذ القرارات تحت الضغط.
58% قالوا إن الذكاء الاصطناعي “فكّر بدلاً منهم”وأظهرت النتائج أن 58% من المشاركين وافقوا على عبارة تقول إن “الذكاء الاصطناعي قام بمعظم التفكير نيابة عنهم” أثناء تنفيذ المهام، خاصة في المهام التي تتطلب التخطيط أو تنظيم الأفكار أو ترتيب الخطوات المعقدة.
كما أظهرت الدراسة أن الاعتماد المرتفع على الذكاء الاصطناعي ارتبط بشكل مباشر بانخفاض ثقة المشاركين في قدرتهم على التفكير المستقل واتخاذ القرارات دون مساعدة تقنية.
وبيّنت التحليلات الإحصائية وجود علاقة سلبية قوية بين الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والثقة بالقدرات الذهنية، حيث سجّلت الدراسة معامل ارتباط بلغ (r = -0.
53)، ما يشير إلى أن زيادة الاعتماد على الأدوات الذكية ترافقها مستويات أقل من الثقة بالتفكير الذاتي.
في المقابل، اكتشف الباحثون أن الأشخاص الذين كانوا يراجعون مخرجات الذكاء الاصطناعي ويعدّلونها أو يعارضونها قبل اعتمادها، شعروا بثقة أكبر بقدراتهم، وكان لديهم إحساس أعلى بامتلاك العمل الناتج.
وأظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين أجروا تعديلات فعلية على نتائج الذكاء الاصطناعي سجّلوا مستويات أعلى من الثقة والاستقلالية مقارنة بمن قبلوا الإجابات الجاهزة دون مراجعة.
كما كشفت النتائج أن متوسط عدد التعديلات أو “رفض” مخرجات الذكاء الاصطناعي كان منخفضاً نسبياً، إذ بلغ 0.
8 تعديل فقط لكل مهمة، ما يعني أن معظم المشاركين اعتمدوا على المخرجات كما هي تقريباً دون تدخل كبير منهم.
وأحد أبرز المحاور التي تكررت في إجابات المشاركين كان ما وصفته الدراسة بـ”المقايضة بين السرعة وعمق التفكير”.
وقال أحد المشاركين: “حصلت على الإجابة بسرعة أكبر، لكنني لا أعتقد أنني فكّرت بعمق كما أفعل عادة”.
وأشار الباحثون إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي تختصر الوقت والجهد بشكل كبير، لكنها قد تقلل في المقابل من مستوى الانخراط الذهني والتحليل العميق للمشكلات، خصوصاً عندما يعتمد المستخدم على الحلول الجاهزة دون مراجعة نقدية.
الرجال أكثر اعتماداً على الذكاء الاصطناعيوكشفت الدراسة عن وجود فروقات مرتبطة بالجنس والمناصب الوظيفية.
فقد أظهرت النتائج أن الرجال سجّلوا مستويات أعلى من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مقارنة بالنساء، بمتوسط بلغ 5.
4 درجات على مقياس الاعتماد، مقابل 4.
2 لدى النساء.
كما تبيّن أن أصحاب المناصب القيادية والتنفيذية استخدموا الذكاء الاصطناعي بشكل مكثف، لكنهم كانوا أكثر ميلاً أيضاً لتعديل النتائج ومراجعتها، مقارنة بالموظفين المبتدئين الذين أظهروا مستويات أقل من التعديل وثقة أقل بقدراتهم.
الدراسة لا تتحدث عن “تراجع عقلي”ورغم النتائج المثيرة، شددت الباحثة “سارة بالديو” على أن الدراسة لا تثبت أن الذكاء الاصطناعي يسبب تراجعاً معرفياً أو ضعفاً عقلياً لدى البشر.
وأكدت أن النتائج تُظهر فقط اختلاف طريقة توزيع الجهد الذهني بين الإنسان والآلة، وأن الأمر يتعلق بأسلوب الاستخدام أكثر من كونه دليلاً على تدهور القدرات العقلية.
وأضافت الدراسة أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل خطراً بحد ذاته، بل إن التأثير يعتمد على طريقة التفاعل معه، وما إذا كان المستخدم يستعمله كأداة مساعدة للتفكير أو كبديل كامل عنه.
دعوات لتطوير أدوات تشجع التفكير البشريواقترحت الدراسة تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تدفع المستخدمين إلى التفكير بشكل أعمق بدلاً من تقديم الحلول الكاملة مباشرة.
وتضمنت المقترحات إضافة ميزات تشجع المستخدم على مراجعة الافتراضات، أو اقتراح بدائل مختلفة، أو طلب تفسير منطقي قبل اعتماد الإجابات النهائية.
كما حذر الباحثون من تضخيم المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مشيرين إلى أن التاريخ شهد مخاوف مشابهة عند ظهور الآلات الحاسبة والهواتف الذكية ومحركات البحث، قبل أن تصبح جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك