صارت الحرب الإيرانية صورة درامية تجمع بين تناقضات مختلفة.
في شهرها الثالث صار كل طرف يصدر للعالم أنه المنتصر.
في الحروب ليس من المحتم أن يكون المنتصر من حقق أكبر قدر من التدمير لعدوه، إنما المنتصر من يفرض إرادته على الطرف الآخر.
لكن لأننا نشاهد حرباً على شاشة التلفزيون على الهواء مباشرة، صارت الأمور أشبه بفيلم تتنقل فيه الكاميرا بسرعة كبيرة بصورة لا يمكن للمشاهد ملاحقتها.
يشارك في الحرب الإعلام بقواه المتعددة غرباً وشرقاً، تشارك السينما بقوتها الناعمة، تشارك وسائل التواصل الاجتماعي وهي الأكثر انتشاراً في كل العالم.
من خلالها صار هناك شاشة موحدة للمواطن العربي يبث من خلالها آراءه وأفكاره عن الحرب.
تضخمت صورة إيران لدى البعض حتى ذكرتني بما قيل عن ريتشارد قلب الأسد في فيلم الناصر صلاح الدين، الذي يتعشى بخروفين.
فإيران هي القوية التي تدمر الأعداء، رسم لها السوشيال ميديا صورة القوي الذي يتناول خروفين على العشاء! ! ورآها البعض لبلب الذي صفع شمشون سبع صفعات بدون أن يستطيع رد أي منها.
صارت الساحة دراما سياسية وعسكرية، فيلماً يجمع بين التراجيديا والكوميديا يتطلب فهمها تحليل سيكولوجية القادة، وطبيعة الإعلام الحربي الحديث، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على تشكيل الواقع الموازي.
ليست حرباً بالمعنى التقليدي الذي سجلته كتب التاريخ العسكري، بل عرض غير مسبوق يقدم على خشبة الشرق الأوسط، حيث يعلن كل ممثل انتصاره قبل أن يسقط الستار، ويتحدث الجميع بلغة النصر والهزيمة وكأنهما وجهان لعملة معدنية واحدة.
من زاوية إيرانية، هي دولة تقصف من هنا وتهدد من هناك، وقادتها يغتالون ومنشآتها تنفجر، لكنها واقفة كما لو كانت شجرة معمرة تضرب بجذورها في قلب الأرض، الصمود الإيراني هو ما أثار دهشة العالم وإعجاب كثير من العرب، لكن الإعجاب هنا ليس أيديولوجياً بقدر ما هو لحظة درامية خالصة، إنها متعة مشاهدة الضعيف الذي يصمد أمام القوي، تماماً كما كنا نرى في فيلم عنتر ولبلب، حين كان لبلب ذاك المسكين الضعيف الهزيل لا يسقط أبداً، بل يصفع شمشون، أقصد عنتر، صفعات متتالية.
إنها سخرية القدر أن يكون المظلوم في موقع القوة المعنوية، بينما الجلاد يلهث خلف مشروعية الانتصار.
أما الشارع العربي الذي اعتاد على رؤية إسرائيل وأمريكا كقطبين لا ينهزمان، أصابه نوعٌ من الزهو عندما رأى إيران تصمد.
كسر ذلك في ذهنه نموذجاً قديماً، إنه نفس الإحساس الذي اختبره المسلمون أيام صلاح الدين الأيوبي حين كانوا يتحدثون عن ريتشارد قلب الأسد ملك الإنجليز برهبة لأنه كما أشيع" يأكل خروفين كاملين على العشاء" دلالة على قوته الخارقة.
من جهة أخرى، يروج كل طرف لانتصاره، أمريكا تتحدث عن ردع طهران، إسرائيل تفاخر بضرباتها الجراحية، إيران تحتفل بانتصاراتها الاستراتيجية، كأنهم في شاشات مختلفة يعرض كل منها مشهد النهاية المنتصر لبطل قصته ومع أن المشاهدين منا يعرفون أن بعض هذه الانتصارات لا تؤثر في نتيجة الحرب النهائية، إلا أن الحرب صارت الآن لعبة سرديات أكثر منها صراعاً على الأرض.
في النهاية ربما تكون جميع الأطراف خاسرة، لكن أحداً لا يستطيع أن يعترف بذلك، لأن الاعتراف بالهزيمة يعني انهيار أنظمة وإعادة رسم خريطة العالم.
قد نرى قادة كباراً يصطفون على منصاتهم ليعلنوا أنهم هزموا العدو بينما خرائط المنطقة تشتعل خلفهم، الحرب في عصر السوشيال ميديا لم تعد مجرد معارك عسكرية، بل أصبحت مونتاجاً ذكياً يختار اللقطات التي تجعلك تنسى المشهد الكامل.
إيران اليوم أكثر من مجرد دولة، إنها معلق ثقافي معقد، صامدة كالصخر تحت القصف ولاعبة محترفة على شاشات التلفزيون.
المنطقة العربية في حيرة لكنها تشاهد بإعجاب لا ينكر، ربما لأنها تجد في هذا الصمود المرآة التي تحلم بها لنفسها، أو ربما لأنها تعشق منذ زمن بعيد مشاهد الضعفاء الذين يتحولون فجأة إلى أبطال خارقين.
ولا أحد يعرف كيف ستنتهي هذه الحرب، المفتوحة على كل الاحتمالات، لكن هناك أمراً واحداً مؤكداً أن العرض لم ينته بعد، وأننا لن نترك المقعد حتى نرى البطل ينهض للمرة الأخيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك