حين يقارن الناس بين القرية والمدينة، فإنهم يقارنون ـ في الغالب ـ بين نمطين للحياة: بساطة الريف وتعقيد الحضر، دفء العلاقات وبرودة الإسمنت، اتساع السماء وضيق الشقق.
غير أن المسألة في السودان أعمق من مجرد مقارنة اجتماعية عابرة.
فالقرية السودانية لم تكن مجرد مكان للسكن، بل مستودعاً للقيم التي صاغت وجدان الإنسان السوداني عبر قرون طويلة.
عرف السودانيون الاستقرار منذ عصور موغلة في القدم.
استوطنوا ضفاف النيل والسهول الممتدة شمال الشلال السادس قبل أكثر من ألفي عام.
لم يكونوا جماعات هائمة بلا جذور، بل أصحاب حضارة مستقرة، عرفوا الزراعة، وأقاموا المدن والمعابد والأسواق، وابتكروا نظم الحكم والإدارة.
كما عرفوا، في الوقت نفسه، معنى الجوار، وإكرام الغريب، والتسامح مع الوافد.
ولهذا ظل السودان، عبر تاريخه الطويل، أرضاً تستقبل الناس أكثر مما تنفرهم، وتحتمل التنوع أكثر مما تخشاه.
في الريف السوداني القديم، لم يكن الإنسان يُقاس بما يملك وحده، بل بما يمنح.
وكانت قيمة الرجل تُعرف بعدد الذين يجدون عنده الطعام والأمان.
وحتى الفقر نفسه كان أقل قسوة، لأن المجتمع كله كان يتقاسم أعباءه بصورة فطرية، من غير تنظير ولا شعارات كبرى.
ولعل المتأمل فيما نُسب إلى الملك الكوشي خاليوت بن بعانخي، والمنقوش على مسلته في جبل البركل نحو عام 750 قبل الميلاد، يدرك أن هذه الأخلاق ليست طارئة على أهل السودان، بل امتداد لوعي حضاري وإنساني عريق.
يقول خاليوت:“إنني لا أكذب، ولا أعتدي على ملكية غيري، ولا أرتكب الخطيئة، وقلبي ينفطر لمعاناة الفقراء.
إنني لا أقتل شخصاً دون جرمٍ يستحق القتل، ولا أقبل رشوةً لأداء عملٍ غير شرعي، ولا أدفع بخادمٍ استجار بي إلى صاحبه، ولا أنكح امرأةً متزوجة، ولا أنطق بحكمٍ دون سند، ولا أنصب الشراك للطيور المقدسة أو أقتل حيواناً مقدساً.
إنني لا أعتدي على ممتلكات المعبد، بل أقدم العطايا له؛ أقدم الخبز للجياع، والماء للعطشى، والملبس للعراة.
أفعل هذا في الحياة الدنيا، وأسير في طريق الخالق، مبتعداً عن كل ما يغضب المعبود؛ كي أرسم الطريق للأحفاد الذين يأتون بعدي في هذه الدنيا، وللذين يخلفونهم إلى الأبد”.
أي روح تلك التي رأت العدالة عبادة، ورأت إغاثة الجائع واجباً أخلاقياً لا منّة فيه؟ وأي مجتمع ذاك الذي جعل رجلاً، قبل أكثر من ألفين وسبعمائة عام، يربط خلوده بما يقدمه للفقراء لا بما يجمعه من الغنائم؟تمر القرون، وتتبدل الدول والعهود، لكن الجوهر يبقى على حاله.
فيأتي الحردلو، شاعر البادية السودانية، ليصف صديقه بقوله:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك