يقدم النور حمد في كتابه «الهيمنة المصرية على السودان النصيحة الأخيرة قبل الابتلاع» عملاً سياسياً وفكرياً يتجاوز السجال التقليدي حول العلاقة السودانية المصريةفالكتاب لا يكتفي بتوجيه الاتهام السياسي المباشر، بل يحاول إعادة تفكيك البنية النفسية والثقافية والتاريخية التي تشكلت داخلها هذه العلاقة عبر عقود طويلةما يميز هذا العمل ليس فقط جرأة الطرح، وإنما الأسلوب الذي يكتب به النور حمد؛ فهو لا يتعامل مع الهيمنة باعتبارها حدثاً سياسياً عابراً، بل بوصفها بنية ذهنية وثقافية ممتدةلذلك تأتي لغته محمّلة بمفردات ذات طابع تفكيكي مثل: “الشعور بالاستحقاق المطلق”، و”العقلية الاستحواذية الجائحة”، و”الانكسار العقلي والنفسي”هذه اللغة تنقل النقاش من مجرد توصيف للتدخل السياسي إلى محاولة لفهم الكيفية التي تشكلت بها قابلية التبعية داخل العقل السوداني نفسهاللافت في أسلوب النور حمد أنه لا يكتفي بإدانة الخارج، بل يوجه نقداً قاسياً للنخب السودانية ذاتها.
فالكتاب لا يقوم على سردية “المستعمِر الشرير” وحدها، وإنما على جدلية أكثر تعقيداً , فشل داخلي سوداني استُغل خارجياً بصورة ممنهجةولهذا يحمّل الكاتب السودانيين أنفسهم مسؤولية تاريخية عن هشاشة الدولة وضعف الإرادة الوطنية، قبل أن ينتقل إلى نقد الدور المصري في استثمار ذلك الضعفهذه الاستراتيجية تمنح الكتاب قوة حجاجية واضحة، لأنه لا يتحدث من موقع الضحية البريئة بالكامل، بل من موقع المراجعة الذاتية أيضاً.
ومن هنا تبدو لغة الكتاب أقرب إلى خطاب استنهاض داخلي منها إلى مجرد خصومة سياسية مع مصرويعتمد النور حمد كذلك على المزج بين السرد الشخصي والتوثيق التاريخي والبيانات الواقعية.
ففي بعض المواضع يستدعي شهادات وتجارب فردية، وفي مواضع أخرى يعود إلى الوثائق التاريخية والإحصاءات والأرقام المتعلقة بالاقتصاد والموارد والعلاقات السياسيةهذا التداخل بين الشهادة والتحليل يمنح النص طابعاً استقصائياً، ويجعله أقرب أحياناً إلى أدب التحقيق السياسي منه إلى الكتابة الأكاديمية الباردةومن أبرز السمات الأسلوبية في الكتاب اعتماده على لغة الإنذار والتحذيرحتى عناوين الفصول نفسها تكشف هذا المنحى- “الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع”، “أتت لحظة ابتلاع الفريسة”، “مصر تعترف بنهب موارد السودان”فالنور حمد يكتب وكأن السودان يقف أمام لحظة تاريخية حرجة، وكأن الوقت ينفد بالفعلهذا الإحساس بالخطر يمنح النص توتراً درامياً واضحاً، لكنه في الوقت نفسه قد يدفع بعض القراء إلى اعتبار الكتاب أقرب إلى التعبئة الفكرية منه إلى التحليل المحايدومن النقاط المهمة في الكتاب أيضاً نقده المتكرر للنخب والطوائف والقوى السياسية السودانية، بما فيها الإسلاميون والأحزاب التقليدية والمؤسسة العسكريةفالكاتب يرى أن أزمة السودان ليست فقط في التدخلات الخارجية، بل في البنية الداخلية التي أعادت إنتاج التبعية والضعف والانقسام.
ولهذا يبدو نقد الذات جزءاً أساسياً من مشروعه الفكري، لا مجرد هامش أخلاقي يضاف إلى النصويجيد النور حمد كذلك توظيف المفارقات الصادمة التي تترك أثراً مباشراً لدى القارئ، مثل حديثه عن تصدير مصر للصمغ العربي رغم أن السودان هو المنتج الأساسي، أو حديثه عن السيطرة على الموارد وإعادة توجيه الاقتصاد السوداني لخدمة مصالح خارجيةهذه المفارقات تمنح الكتاب طاقة بلاغية عالية، وتجعله قريباً من أسلوب “الفضح الاستقصائي” أكثر من الكتابة السياسية التقليديةأما على مستوى البناء، فالكتاب يتحرك بصورة تصاعدية مدروسة؛ إذ يبدأ من قضايا الهوية والثقافة، ثم ينتقل إلى الثورة والجيش والإسلاميين، قبل أن يصل إلى الاقتصاد والموارد والنزوح، وينتهي بسؤال الدولة والسيادة والاستقلال الوطنيهذا التدرج يمنح العمل تماسكاً واضحاً ويحول القراءة إلى مسار متصاعد من التشخيص إلى الإدانةورغم قوة الكتاب، فإن بعض نقاط الضعف تظل حاضرةفالعنونة الصادمة واللغة العاطفية في بعض المواضع قد تنفّر القارئ الذي يبحث عن تحليل أكثر برودة وحياداً، كما أن التركيز على “التواطؤ الداخلي” قد يبدو أحياناً وكأنه يخفف من مسؤولية العوامل الخارجية نفسهاغير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الفكرية للعمل بقدر ما تكشف طبيعته بوصفه خطاباً استنهاضياً يسعى إلى إيقاظ الوعي السوداني أكثر من سعيه إلى إنتاج دراسة أكاديمية محايدةفي النهاية، لا يكتب النور حمد من موقع الباحث المحايد، بل من موقع المفكر المنشغل بسؤال الاستقلال السوداني ومعنى السيادة الوطنيةولهذا فإن كتابه لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد كتيب سياسي عابر، بل باعتباره محاولة لإعادة تفكيك العلاقة بين السودان ومصر عبر مراجعة جذرية للتاريخ والسياسة والوعي الوطنيوسواء اتفق القارئ مع أطروحات النور حمد أو اختلف معها، فإن الكتاب يفرض سؤالاً صعباً لا يمكن الهروب منه: هل أخفق السودان في حماية حدوده فقط، أم أخفق أولاً في حماية وعيه الوطني؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك