«تداعيات سلبية لثورة لم تكتمل».
كان هذا عنواناً لمحاضرة قيّمة ألقاها الدكتور مصطفى التير، عالم الاجتماع الليبي، في مقر حزب الازدهار والسلام الذي دأب على تنظيم نشاط ثقافي وفكري أسبوعي بعناوين متنوعة، إن مثل هذه المناشط هي ما يساهم حقاً في رفع مستوى الوعي العام في كل صوره وأبعاده.
لقد فتحت هذه المحاضرة نافذةً كاشفةً على ما حدث، وبالطبع، فإنها في جوهر سردياتها تثير أسئلة المراجعة والتقييم والنقد.
تلك الآلية التي يجب أن نمارسها ونعمل بها كمنهج في حياتنا، فلا يمكن للتجارب أن تتطور، ولا للفكر أن يبلغ نضجه، إلا عبر جسر المراجعة والنقد والتطوير المطلوب، وهو ما علينا ممارسته في مرابيعنا، وأحزابنا، وكافة مؤسساتنا الأكاديمية وغيرها.
لقد أثار عنوان المحاضرة الذي يبدو أنه مشروع كتاب ننتظر بشوق أن تزخرف به مكتباتنا، الكثير من الأسئلة الوجودية، ويذكرنا بلا شك بأطروحة الكاتب والمثقف السوري غياث نعيسة، الذي استعار المصطلح التاريخي الذي عرف قديماً في فرنسا ليضعه عنواناً لكتابه «التريمدور السوري»، أي الثورة المضادة؛ حيث يتقاطع المشروعان لتجربتين عربيتين بينهما الكثير من المشترك، وربما يختلفان في المآل والمصير.
لقد اعتمد الدكتور المحاضر المنهج الوصفي لما حدث، متتبعاً مسارات الواقع وكيفية تطوره بعد عام 2011، مع إشارات خفيفة لما قبل ذلك، متجنباً تحليل بعض الظواهر التي سبقت وصاحبت وأعقبت الأحداث؛ وربما كان ذلك لأن زمن وظروف اللقاء تضيق عن استيعاب ذلك التشريح العميق.
لكن ما جاء في المحاضرة يدفعنا حتماً للتوقف عنده، وعلى وجه الخصوص ذلك الحديث عن ظواهر العنف التي شهدها المجتمع الليبي خلال وبعد الانتفاضة.
وهنا، أتجاوز الاصطفافات السياسية المباشرة، محاولاً الغوص فيما أعتبره المصدر الحقيقي للعنف المجتمعي؛ فبالعودة إلى التاريخ، نجد أن الدولة الليبية منذ تأسيسها لم تفلح في إجراء تحديث حقيقي لعقلية المواطن.
فبعد هذه العقود الطويلة، لا نزال نجد البنى التقليدية من جهوية وقبلية وعائلية هي من تضعف الشعور بالمواطنة؛ بل إن هذه البنى عملت على خلق بؤر توتر وصراع، بل وعنف ممتد عبر تاريخ الدولة، مثلما عملت كل السلطات التي حكمت على توظيف هذه الانتماءات في صراعاتها البينية.
وهنا يتقاطع مفهوم التحديث ذو الطبيعة المادية، والمتعلق بتملك واستخدام الوسائل الحديثة التي يحوزها الليبي دون أن يحسن بالضرورة فهمها واستخدامها الأمثل مع مفهوم الحداثة الذي نعني به امتلاك الليبي لعقل حر ونقدي ومبدع؛ عقل يمنحه القدرة والرؤية لتجاوز عقبات بناء علاقة تواصلية إيجابية مع من يشاركه في الوطن.
وتجمع الكثير من الدراسات على أن المصدر الأكبر لظاهرة العنف المجتمعي (عنف الجميع ضد الجميع) هو الاختلال الاجتماعي والتفاوت الطبقي الحاد، خصوصاً خلال التحولات الطفرية في المواقع والمراكز الاجتماعية؛ ويحدث هذا في بلادنا منذ سنوات طويلة في ظل اقتصاد ريعي يتغذى منه كل من يلتصق بجسم السلطة، فلا يصعب على المرء ملاحظة هذه الفوارق التي تظهر في حياة البذخ المستفز مقابل حالة الشظف التي يكابدها الكثيرون.
إن العنف السياسي هو الآخر يولد العنف، فالعنف لا ينتج إلا العنف؛ وممارسة السلطة لكل أشكال القهر تدفع الآخر بالضرورة لممارسة العنف.
ولنتذكر هنا مشاهد العنف القاسية التي شهدناها على شاشات التلفزيون وفي الشوارع والجامعات؛ إن تكرار مثل هذه المشاهد قد حفر في الذاكرة، وحان الوقت لضحايا العنف لاسترجاع تلك المشاهد وألمها.
وعند التأمل في خطابنا المتداول، نلاحظ الكثير من أنماط وتعبيرات ما يسمى بـ «العنف الرمزي»؛ عبر السباب والقذف والازدراء، وعبر تلك النعوت المبتذلة التي تظهر من حين لآخر، أو ذلك التباهي الخادع بالادعاء بالعائلة والقبيلة وإطلاق أوصاف مثل «القبائل العفيفة» وما إلى ذلك.
هذا العنف الرمزي هو ما يدفع الضحية إلى تبني العنف فردياً وجماعياً بحثاً عن الاعتراف؛ وهنا يأخذ صراع الإنسان طابعاً أخلاقياً لا يهدف من ورائه لإشباع حاجاته المادية فحسب، وإنما للبحث عن كيانه، وأحياناً هويته، باحثاً عن الإشباع العاطفي عند تعامله مع الآخر، والاعتراف بحقوقه، والإحساس بوجود تضامن مجتمعي معه فيما يواجهه، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.
ختاماً، لعل هذه الأسطر تكون إضاءة لبعض الجوانب التي أعتبرها جوهرية ولازمة لفهم ظاهرة العنف المجتمعي وتجاوز آثار ما حدث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك