يظل الموت هاجسا وجوديا في الشعر العربي حيث تراوح موقف الشعراء بين الخوف والرهبة من النهاية المحتومة التي تعلو ولا يعلى عليها ولقد تأثر رواد الأدب على مر العصور بها وتناولها العديد من رواد الشعر في مقطوعاتِهم، ومنهم من كان يرى فيه مواعظ له ومنهم من رأى فيه نهاية لكل شيء.
ولأن المتنبي وحده هو الذي ملأ الدنيا وشغل الناس فقد طوع الشعروجعل منه بساتينا من المتعة والجمال حينا اذ يقولاذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومٍ فلا تقنع بما دون النجومكطعمُ المَوتِ في أَمرٍ صَغيرٍ ِ فطَعمِ المَوتِ في أَمرٍ عَظيمِوحينا حكما وعبرا يقف لها الناس اجلالاوَما المَوتُ إِلّا سارِقٍ دَقَّ شَخصُهُ يَصولُ بِلا كَفٍّ وَيَسعى بِلا رِجلِنُبَكّي لِمَوتانا عَلى غَيرِ رَغبَةٍ تفوت من الدنيا ولا موهب جزلإِذا ما تَأَمَّلتَ الزَمانَ وَصَرفَهُ تَيَقَّنتَ أَنَّ المَوتَ ضَربٌ مِنَ القتل(2) َأحيانا يرى المتنبي في الموت عزة نفس اذ يقولفالموت أعذر لي والصبر أجمل بي والبر أوسع والدنيا لمن غلباوأحيانا ينظر الى الموت كفلسفة وجودية فالموت هنا ليس مجرد نهاية للحياة اذ ان الهدف النهائي ليس الخلاص من الالم أو البقاء في الحياة بل يصبح الموت المصباح الذي يضيء الطريق إلى الشفاء سيما بعد أن انتهت قصائد مدحه للحمداني وكافور الاخشيدي نظير منحه ولاية رمادا تزروه الرياح فكتب يقولكفى بك داءا أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانياأما شاعر المقاومة محمود درويش فيقولالموت لا يؤلم الموتي …الموت يوجع الأحياءتصالح مع حقيقة الموت كي تعيش قبل أن تموتخوفك من الموت لن يمنعه ولكن سوف يمنعك من الحياةلكن يبقى أيقونة الشعر السوداني خليل الفرح الشاعر الوحيد الذي نعى نفسهمغادرا وطنه بحثا عن علاج من مرض الدرن اللعين الذي جعل الناس تمتنع عن زيارته خوفا من العدوى وحينما شعر انهم ضربوا حوله سياجا من العزلة قال(الحبايب لفتوا الخلائق بيني وبينهم قطعوا العلائق).
بعدها قرر الرحيل بتأشيرة خروج نهائية من السودان يائسا من الدنيا لكنه لم ينسى ذكريات الأمكنة ورموز الوطن اللذان سكنا وجدانهماهو عارف قدمه المفارق يا محط آمالي السلامويح قلبي الما انفك خافق فارق ام درمان باكي شافقيا أم قبايل ما فيك منافق سقي أرضك صوب الغمامفي يمين النيل حيث سابق كنا فوق أعراف السوابقالضريح الفاح طيبه عابق السلام يا المهدي الاماممن فتيح للخور للمغالق من علايل ابروف للمزالققدله يا مولاي خافي حالق بالطريق الشاقى التراملا يعرف الشعر العربي بعد الخنساء شاعرا قضى سحابة عمره حسرة وندما وبكاء أكثر من عوض حسن أبو العلا.
قصة جراحه التي سكب فيها الأنين والأسى تبدأ من شواطيء مياه البحر في الاسكندرية التي سافر اليها بعد الامتحانات لممارسة هواية الغطس ولكن كانت للأقدار كلمة أخرى فقد ارتطم بصخرة تحت الماء واصيب بشلل نصفي أقعده عن الحركة فكتب وكان طريحا للفراش يقولامسي مضي بين التحسر والانين ووسادتي بللتها بالدمع والدمع السخينمع تباشير الصباح وبسمة الفجر المبين غنيت مثل الطير فرحا في رياض العاشقينتسري النسائم عذبة وانا اهيم بلا ملال وتقودني الامال في دنيا المباهج والخيالوهناك ارقد في الرمال ولا اري غير الرمال.
أبو العلا لم يتوقف برائعة (ولى المساء) التي صدح بها سيد خليفة ولكنه أردفها برائعة أخرى يبث فيها أسباب محنته زادتها جمالا وعذوبة حنجرة عميد الفن أحمد المصطفى قال فيهاسفري السبب لي اذايا فرقة و فقدان هنايابطرى حبيب املي و منايا و ابكي على هذي النهايةو ببكي على تهديم بنايا ليت حبيبي علي ناحفيك يا مصر اسباب اذايا و في السودان همي و عزاياصابر و لم اعلم جزايا و التأويه اصبح غذاياصرت مسلم لي ردايا زي طاير مكسور جناحدهري ان صابني بكل خفايا و حطم و عكر لي صفايابرضي على حبي و وفايا و اعلم في وجودك شفاياشي من لا شي بس كفايا علو بمسّك اجد نصاحويمضى الشاعر حسن عوض أبو العلا في تغريدته محطما محبطا يائسا من الدنيا فاقدا حتى بصيص أمل يقولماذا اؤمل حيران ببكي و بأملولهان ببكي و بأمل وحيد ببكي و بأملآآآآآه يا هوايا و آآآآآآآآآه يا مناياوحيد سهران برايا انيس دمعي و بكاياآآآآآآه يا كناري و آآآآه يا قماريطيري لي تعالي وحيد ليلي و نهاريكان أبو العلا مرتبطا عاطفيا بفاتنة كانت تجمعه بها قرابة ولكنه قرر قطع العلاقة ونصحها بالاقتران بآخر رغم اصرارها ورغبتها في مواصلة حياتها معها ولكنه طوق عنقها بأكاليل من القصائد منها (القربو يجنن وبعده يحنن وديع وحنين شغل بالي) و (غرام قلبين) و(ايام وليالي) و (رحماك ياملاك) و(وين ياناس حبيب الروح وين ياناس أنا قلبي مجروح ).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك