يعاني تونسيون تدهور الخدمات الصحية العمومية بسبب نقص الأطباء والتجهيزات والأدوية وطول انتظار المواعيد، ما يدفعهم إلى الاستدانة من أجل تلقّي العلاج في القطاع الخاص حيث الكلفة مرتفعة.
لم يعد الاقتراض في تونس مرتبطاً بشراء منزل أو تمويل مشروع أو حتى مواجهة مصاريف الدراسة، بل بات العلاج نفسه سبباً مباشراً للغرق في الديون.
فمع تراجع خدمات الصحة العمومية، وارتفاع كلفة العلاج في القطاع الخاص، ونقص الأدوية والخدمات المجانية، يجد تونسيون أنفسهم مُجبرين على الاستدانة أو بيع ممتلكاتهم أو طلب المساعدة فقط من أجل إجراء فحص طبي أو عملية جراحية أو شراء دواء.
في بلد يكفل دستوره الحق في العلاج والرعاية الصحية، تتّسع الفجوة بين النصوص القانونية والواقع اليومي للمرضى، بينما يتحول المرض تدريجياً إلى عبءٍ اقتصادي واجتماعي يهدّد استقرار الأسر.
وتقول لبنة الراشدي (49 عاماً)، وهي موظفة وأم لطفلين، لـ" العربي الجديد" إنّ رحلة علاج زوجها المُصاب بمرض في القلب" تحوّلت إلى كابوس مالي".
وتضيف: " بعد إصابة زوجي بجلطة قلبية مفاجئة، نقلتُه فوراً إلى مستشفى خاص من أجل الخضوع لعملية قسطرة القلب، غير أنّ وضعه تدهور، ما استوجب إيداعه في قسم العناية المركزة لمدة 15 يوماً، قبل أن نتمكن من نقله لاحقاً إلى مستشفى حكومي بعد أن عجزتُ عن سداد فاتورة المستشفى الخاص، حيث استدنّا من الأقارب وأحد المصارف أكثر من 12 ألف دينار تونسي، أي أكثر من 4 آلاف دولار أميركي".
وتتابع: " كل شهر نسدّد القروض بدل العيش بشكل طبيعي.
المرض لم يرهقنا صحياً فقط، بل دمّر توازننا المالي"، مؤكدةً أن الأسر التي تواجه مرضاً مزمناً أو عملية جراحية معقدة قد تدخل في دوامة قروض طويلة الأمد".
تتكرّر القصة ذاتها مع محمد، وهو عامل يومي من ولاية القيروان وسط البلاد، اضطرّ إلى بيع قطعة أرض صغيرة ورثها عن والده لعلاج والدته المصابة بداء السكري.
ويقول لـ" العربي الجديد": " الأدوية غير متوفرة أحياناً في المستشفى، والتحاليل في القطاع الخاص مكلفة، وحتى عندما يُغطّي التأمين جزءاً من المصاريف يترتّب علينا دفع مبالغ تفوق قدرتنا المادية، ولا سيّما أن داء السكري أثّر على وظائف العين والكلى لدى والدتي السبعينية".
خلال الأعوام الأخيرة، عانى التونسيّون تدهور الخدمات الصحية العمومية، بسبب نقص الأطباء والتجهيزات والأدوية وطول انتظار المواعيد، ما دفع عدداً من المرضى بشكل غير مباشر نحو القطاع الخاص، بسبب بطء الخدمات العمومية أو غيابها.
ويؤكد الكاتب العام للجامعة العامة للصحة حسن المازني لـ" العربي الجديد" أنّ الأزمة المالية التي تعيشها المستشفيات العمومية والصناديق الاجتماعية انعكست مباشرةً على جودة العلاج، خصوصاً مع تراكم ديون الصندوق الوطني للتأمين على المرض، ونقص الموارد البشرية وتوجّه الأطباء نحو القطاع الخاص أو الهجرة خارج البلاد.
في المقابل، ترتفع كلفة العلاج في القطاع الخاص بشكل متسارع.
ووفق معطيات عمادة الأطباء، تُراوح تعرفة الاستشارة الطبية العامة في القطاع الخاص بين 40 و55 ديناراً (بين 14 و 19 دولاراً)، بينما تصل الاستشارة لدى الأطباء المتخصّصين إلى 80 ديناراً (نحو 28 دولاراً).
لكن هذه الأرقام لا تشمل تكاليف التحاليل والأشعة والأدوية والعمليات الجراحية والإقامة في المستشفيات، والتي قد تصل إلى آلاف الدنانير.
يتابع المازني: " تبرز لدى الأسر مخاوف من ارتفاع كلفة الرعاية الصحية وتراجع خدمات القطاع الحكومي أكثر من خشيتها المرض، إذ إنّ فقدان الاستقرار المالي بسبب العلاج، بات أكثر وطأة من فقدان الصحة بحدّ ذاتها".
وتشير بيانات البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية إلى أن الإنفاق الصحي المباشر من جيوب التونسيين يمثل نحو 38% من إجمالي الإنفاق الصحي، بحسب إحصائيات العام 2023، وهي نسبة مرتفعة مقارنةً بدولٍ عدّة تعتمد أنظمة حماية اجتماعية متطوّرة.
ويعني ذلك أن جزءاً كبيراً من تكاليف العلاج تتحمّله الأسر مباشرةً، رغم وجود منظومة تأمين اجتماعي في بلدٍ لا يتجاوز فيه متوسط أجور الموظفين 1500 دينار (نحو 518 دولاراً)، ويُقدّر عدد الأسر الفقيرة فيه بنحو مليون أسرة، بحسب معطيات صادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية في عام 2023.
لا تتوقف الأزمة عند ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى نقص الأدوية، خصوصاً الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة والخطيرة، نتيجة الأزمة المالية التي تعيشها منظومة التأمين والصيدليات والمستشفيات.
ويرى متخصّصون أن الفارق لا يتعلق فقط بالإمكانات الاقتصادية، بل أيضاً بأولوية الصحة في السياسات العمومية، وحجم الاستثمار في المستشفيات والموارد البشرية، ونجاعة أنظمة الحماية الاجتماعية.
وينصّ الدستور التونسي على أن" الصحة حق لكل إنسان"، وأن الدولة تضمن الوقاية والرعاية الصحية لكل مواطن، غير أنّ الواقع يكشف اتّساع الفجوة بين هذا الحق النظري وإمكانية الوصول الفعلي إلى العلاج.
وأظهرت دراسة نشرها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عام 2022 حول الحق في الصحة، أنّ 25% من الأشخاص الذين يمرضون لا يتوجّهون إلى الطبيب، رغم اعتقادهم بأنّ حالتهم تستوجب العلاج، ويعود ذلك أساساً إلى ضعف الإمكانيات المادية.
وأظهر تحليل المعطيات وفق المستوى الاجتماعي أنّ الفئات الأكثر فقراً هي الأكثر عزوفاً عن التداوي، إذ تتجاوز نسبة الذين لا يخضعون للفحص الطبي 30% لدى الفئة الأقل ثراءً، مقابل أقل من 20% لدى ربع السكان الأكثر ثراءً، ما يؤكد الارتباط الوثيق بين الفقر وصعوبة النفاذ إلى الخدمات الصحية.
ومن بين الفئات الأكثر هشاشة، لم يستشر 77% طبيباً رغم شعورهم بالحاجة إلى العلاج، بسبب نقص الإمكانيات المادية، فيما تنخفض هذه النسبة إلى 17% فقط لدى الفئات الميسورة.
ويحذّر ناشطون في المجال الاجتماعي من أنّ استمرار تدهور المنظومة الصحية قد يعمّق الفوارق الطبقية، حيث يصبح العلاج الجيد متاحاً فقط لمَن يملك القدرة المالية، بينما يواجه ذوو الدخل المحدود مرارة انتظار العلاج أو التخلّي عنه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك