تشير تصريحات المبعوث الأمريكي مسعد بولس إلى تحول جوهري في مقاربة واشنطن للأزمة السودانية، من خطاب “الانتقال الديمقراطي” إلى منطق أكثر واقعية يقوم على إدارة الانهيار ومنع تفكك الدولةلم تعد الأولوية الأمريكية هي هندسة انتقال مدني مثالي، بل محاولة الإجابة عن سؤال أكثر قسوة: كيف يمكن منع السودان من التحول إلى فضاء فوضوي مفتوح على الإقليم؟أولاً: من الانتقال الديمقراطي إلى إدارة الفوضىفي المراحل الأولى للأزمة، تمحور الخطاب الأمريكي حول دعم الحكم المدني وبناء شراكة انتقالية.
لكن تطورات الحرب أعادت صياغة الأولويات بالكاملاليوم، لم تعد واشنطن تسأل كيف يُحكم السودان ديمقراطياً، بل كيف لا ينهار السودان بالكامل.
هذا التحول يعكس انتقالاً من “الهندسة السياسية” إلى “الاحتواء الأمني”حين تؤكد واشنطن أن الحسم العسكري غير ممكن، فهي لا تصف الواقع فقط، بل ترسم حدوداً سياسيةلا شرعية دولية تُبنى على النصر العسكري وحدهولا قبول بإقصاء كامل لأي طرفالمعادلة المقصودة واضحة منع إنتاج “غالب مطلق” يعيد تشكيل الدولة على قاعدة الإلغاءالإشارات المتكررة إلى تدفق السلاح والدعم الخارجي تؤكد أن الحرب تجاوزت حدودها الداخليةالسودان لم يعد ساحة صراع سوداني فقط، بل جزءاً من شبكة أوسع تشمل , البحر الأحمر، القرن الأفريقي، وليبيا وتشاد، إضافة إلى توازنات إقليمية معقدةبمعنى آخر الحرب لم تعد داخل السودان فقط، بل حول السودان أيضاًرابعاً أزمة دولة لا أزمة جنرالاتالخطاب الأمريكي الجديد يتعامل مع الأزمة بوصفها انهياراً بنيوياً في الدولة، لا مجرد صراع بين قائدين عسكريينفالدولة السودانية، تاريخياً، فشلت في—إدارة التنوع السياسي والاجتماعيودمج الأطراف في عقد اجتماعي مستقروهذا ما أنتج الانفجار الحالي، لا مجرد خلاف بين عسكريينخامساً تراجع المجال المدنيرغم استمرار الحديث عن الحكم المدني، إلا أن الواقع يكشف تراجع القوى المدنية أمام صعود القوة المسلحةالنتيجة الأخطر للحرب ليست فقط الدمار، بل -تفكك المجال السياسي المدني، وصعود الفاعلين العسكريين والجهويين والقبليين كبديل فعلي للدولةأزمة القوى المدنية بين الخطاب والواقعتعاني القوى المدنية السودانية من فجوة عميقة بين خطابها السياسي وقراءتها للواقعنشأت هذه القوى في فضاءات مدينية ومؤسسية داخل الخرطوم، ما جعل رؤيتها للدولة أقرب إلى “تصور مثالي” من واقع اجتماعي متشظٍثانياً، سوء تقدير ميزان القوة, تم المبالغة في قدرة الضغط المدني، مقابل تقليل أثر المؤسسة العسكرية واقتصادها وتحالفاتهاثالثاً، ضعف فهم صراع المركز والهامشبقي الخطاب المدني أسير مركزية سياسية وثقافية، ما عمّق الفجوة مع الأطرافرابعاً، الرهان الخارجي , الاعتماد المفرط على المجتمع الدولي، الذي يتحرك بمنطق المصالح لا المبادئخامساً، ضعف أدوات القوة والتنظيم , في لحظات الانهيار، لا يكفي الخطاب السياسي دون نفوذ مؤسسي أو قدرة تنظيمية على الأرضأن إسقاط النظام كان أسهل بكثير من إعادة بناء الدولةالدعم السريع ومحاولة بناء إدارة موازيةطلب الدعم السريع تسجيل منظمات الإغاثة العاملة في مناطقه يمثل انتقالاً من سلطة عسكرية إلى محاولة بناء إدارة أمر واقعهذه الخطوة تطرح أسئلة حساسة , هل يعني التنظيم الإداري اعترافاً سياسياً ضمنياً؟وكيف يُحافظ على حياد العمل الإنساني في ظل سلطة غير معترف بها دولياً؟بعض المنظمات قد تغادر بسبب المخاطر القانونية أو مخاوف الانحياز، بينما يرى الدعم السريع أن التنظيم ضرورة لفرض السيطرة الإدارية على الأرضلكن الخطر الحقيقي هو تحول العمل الإنساني إلى أداة صراع سياسي، يدفع المدنيون ثمنه الأكبروتكشف هذه التطورات أن الحرب تتجه من مرحلة المعارك المتنقلة إلى مرحلة “تقسيم النفوذ والإدارات المتوازية”، بما يقترب من نماذج مأزومة في ليبيا واليمنتعكس التصريحات الأمريكية تحولاً عميقاً في مقاربة السودان: من التفاؤل بثورة 2019 إلى واقعية باردة تدير الانهيار بدلاً من محاولة تغييره جذرياًلكن المعضلة الجوهرية تبقى دون حل < أي تسوية لا تعالج جذور أزمة الدولة السودانية — من المركز والهامش إلى طبيعة السلطة والسلاح — ستظل مجرد هدنة داخل أزمة مفتوحةالسودان اليوم لا يقف بين غالب ومغلوب، بل بين احتمالين ,دولة يعاد تأسيسها… أو واقع بلا دولة مستقرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك