لا تُستعاد النكبة الفلسطينية بوصفها حدثًا انتهى عام 1948، ولا باعتبارها مجرد ذكرى مرتبطة بصور القرى المدمّرة وقوافل التهجير الأولى، مع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية.
الاقتلاع الذي بدأ آنذاك لم يبقَ حبيس الماضي، بل تمدّد عبر العقود بأشكال متعددة، من المصادرة والاستيطان واللجوء، وصولًا إلى الحصار والحرب وتدمير مقومات الحياة الأساسية.
وفي غزة، تبدو النكبة اليوم أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية القاسية، عقب العدوان الإسرائيلي الذي بدأ في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
فالمأساة لم تعد مرتبطة فقط بفقدان البيت أو الأرض، بل بواقع يطال كل ما يجعل الحياة ممكنة: منزل لم يعد صالحًا للسكن، مستشفى يعمل بقدرات منهكة، ماء لا يصل أو لا يكفي، غذاء يتحول إلى رحلة بحث يومية، ودواء يصبح حلمًا مؤجلًا لمرضى لا يملكون رفاهية الانتظار.
هنا، لا يقتصر التهجير على الانتقال القسري من مكان إلى آخر، بل يتحول إلى محاولة مستمرة لدفع الناس إلى العيش خارج الحد الأدنى من الأمان والاستقرار.
فحين تُدمّر البنية التي تجعل الحياة ممكنة، لا يعود السؤال فقط أين يعيش الفلسطيني، بل كيف يمكنه البقاء حيًا في مكان يُدفع تدريجيًا إلى فقدان شروط البقاء.
من فقدان الأرض إلى فقدان شروط الحياةارتبطت النكبة في صورتها الأولى بفقدان الأرض والبيت والقرية والمدينة عقب المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية عام 1948.
حينها اقتُلع الفلسطيني من مكانه ودُفع نحو المخيمات أو المنافي.
أما في غزة اليوم، فيتكرر شكل آخر من الاقتلاع، يتمثل في اقتلاع الإنسان من شروط حياته نفسها حتى وهو لا يزال داخل أرضه.
فالحرب الإسرائيلية لا تترك آثارها في المباني المدمّرة فقط، بل تغيّر معنى الحياة اليومية بالكامل.
حين تنهار شبكات المياه، وتتراجع قدرة المستشفيات، وتُستنزف المخابز والأسواق، ويصبح الوصول إلى الغذاء أو الدواء أو الكهرباء جزءًا من معركة يومية، يتحول المكان كله إلى مساحة محاصرة بين الحاجة والخطر.
وبهذا المعنى، لا يبدو تدمير شروط الحياة مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل أحد أعمق آثارها.
فالإنسان قد ينجو من القصف، لكنه يجد نفسه أمام معركة أخرى لا تقل قسوة: كيف يؤمّن الماء؟ كيف يحصل على العلاج؟ كيف يطعم أطفاله؟ وكيف يستمر في العيش وسط بيئة تتراجع فيها الموارد وتتسع فيها الحاجة؟الصحة حين تصبح خط الدفاع الأخيرفي كل الحروب، تتحول المستشفيات إلى خط الدفاع الأخير عن المدنيين.
لكن مستشفيات غزة التي كانت ضمن بنك أهداف الاحتلال، لا تواجه الإصابات وحدها، بل تواجه أيضًا نقص الدواء، ونفاد المستلزمات الطبية، وأزمات الوقود والطاقة، والضغط الهائل للمرضى، إلى جانب صعوبة الإجلاء والعلاج خارج القطاع.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح المرض نفسه جزءًا من بنية الحرب.
فالمصاب يحتاج إلى علاج سريع، والمريض المزمن يحتاج إلى دواء منتظم، والمرأة الحامل تحتاج إلى رعاية آمنة، والطفل يحتاج إلى متابعة صحية لا تحتمل التأجيل.
وحين تتراجع قدرة المنظومة الصحية، لا يعود الخطر محصورًا بالمصابين مباشرة، بل يمتد إلى كل من يعتمد على نظام صحي لم يعد قادرًا على تحمّل هذا العبء.
وفي غزة، قد يتحول انقطاع دواء بسيط إلى أزمة حقيقية، وقد يصبح إجراء فحص روتيني أمرًا بعيد المنال، بينما يواجه كثير من المرضى مصائر كان يمكن تفاديها في ظروف طبيعية.
وهنا تظهر إحدى أقسى صور النكبة المستمرة: أن يُترك الإنسان في مواجهة المرض، لا لأنه بلا حق في العلاج، بل لأن المنظومة التي يفترض أن تحميه دُمّرت أو أُنهكت أو حُرمت من مقومات العمل.
الماء والصرف الصحي.
الحياة في أبسط صورهالا يبدأ تدمير الحياة دائمًا من الصورة الكبرى، بل قد يبدأ من الماء: من الصنبور الذي لا يعمل، والخزان الذي لا يمتلئ، والطوابير الطويلة أمام نقاط التوزيع، ومن القلق اليومي حول صلاحية المياه التي يشربها الأطفال.
فالأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية للمياه والصرف الصحي جعلت الوصول إلى المياه الآمنة أكثر صعوبة، فيما أدى نقص الوقود وقطع الغيار والمولدات إلى تعطّل خدمات أساسية مرتبطة بالصحة والنظافة العامة وإزالة الركام.
وهذه ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل عناصر تمثل الحد الفاصل بين الحياة والمرض، وبين الاحتمال والانهيار.
فحين تنهار شبكات المياه والصرف الصحي، تصبح صحة الأطفال أكثر هشاشة، ويصبح الغذاء أقل أمانًا، وتتحول الوقاية من الأمراض إلى تحدٍ يومي.
وفي هذه التفاصيل الصغيرة يتجلى معنى تدمير شروط الحياة.
فالإنسان لا يحتاج إلى سقف فقط كي يعيش، بل يحتاج إلى ماء صالح للشرب، وبيئة نظيفة، وخدمات تمنع انتشار الأوبئة وتحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
ولا يمكن فصل الغذاء عن فكرة البقاء.
ففي غزة، لا يعني الجوع مجرد نقص عابر في الطعام، بل حالة ممتدة من الإنهاك الجسدي والنفسي.
فالطعام، حين يصبح نادرًا أو مرتفع الكلفة أو صعب الوصول، يغيّر إيقاع الحياة داخل البيت كله: ماذا نأكل اليوم؟ ماذا نترك للغد؟ ومن يأكل أولًا؟وتظهر قسوة المشهد حين تتحول الوجبة اليومية إلى مصدر قلق دائم، وحين تجد العائلات نفسها محاصرة بسؤال النجاة بدل الانشغال بتفاصيل الحياة الطبيعية.
كما تتفاقم خطورة الجوع عندما يتقاطع مع المرض والنزوح وانهيار الخدمات، فالجسد الضعيف يصبح أكثر عرضة للأمراض، فيما يحتاج المرضى والأطفال إلى تغذية أساسية لا تضمن الشبع فقط، بل تضمن النمو والبقاء.
النزوح داخل المكان الواحدفي النكبة الأولى، حمل الفلسطينيون مفاتيح بيوتهم وغادروا نحو المجهول.
أما في غزة، فيتكرر النزوح داخل مساحة ضيقة ومحاصرة، حيث ينتقل السكان من حي إلى آخر، ومن مدرسة إلى خيمة، ومن بيت إلى مكان يعتقدون أنه أقل خطرًا، من دون أي ضمانة حقيقية للأمان.
وهذا النوع من النزوح يخلق شعورًا قاسيًا بأن الأرض تضيق بأهلها.
فالانتقال لا يعني الخروج من الخطر، بل البحث عن هامش أقل قسوة داخله.
ومع كل حركة نزوح، يفقد الناس جزءًا من استقرارهم: خصوصية البيت، الجيران، الذاكرة اليومية، والإحساس بأن للحياة شكلًا ثابتًا يمكن التمسك به.
فالإنسان لا يحتاج إلى عبور الحدود كي يشعر بالاقتلاع.
قد يبقى داخل الجغرافيا نفسها، لكنه يفقد منزله ومدرسته وطريقه وعيادته ومكانه في الحي، وهذه كلها أجزاء من معنى الوطن.
التعليم والعمل والمدينة المؤجلةولا تكتمل صورة تدمير شروط الحياة من دون التوقف عند التعليم والعمل.
فالحرب لا توقف الدراسة فقط، بل تقطع مسارًا كاملًا من المستقبل.
فالطفل الذي ينقطع عن المدرسة لا يفقد يومًا دراسيًا وحسب، بل يفقد علاقته المنتظمة بالعالم وبفكرة الغد.
كما أن فقدان العمل لا يعني خسارة الدخل فقط، بل خسارة الشعور بالدور والقدرة والكرامة.
وحين تتوقف الأعمال وتضيق فرص العيش، تتحول العائلات إلى كيانات تنتظر المساعدات وتعيش على المجهول.
أما المدينة نفسها، فتفقد وظيفتها الطبيعية.
فالشارع لا يعود شارعًا مألوفًا، والسوق لا يعود سوقًا كما كان، والمدرسة لا تبقى مدرسة بالمعنى المعتاد، بل تتحول الأمكنة كلها إلى مساحات مؤقتة تحكمها الضرورة والانتظار.
لهذا، لا تبدو النكبة في غزة ذكرى بعيدة تُستعاد كل عام، بل واقعًا يتجدد يوميًا في كل بيت دُمّر، وكل عائلة نزحت، وكل مريض لم يجد دواءه، وكل طفل فقد مدرسته، وكل أم تبحث عن ماء آمن أو طعام يكفي يومًا آخر.
فالنكبة اليوم لا تُقرأ فقط في فعل الطرد المباشر، وإنما أيضًا في تدمير البيئة التي تجعل البقاء ممكنًا.
وحين يصبح الماء نادرًا، والدواء قليلًا، والغذاء صعب المنال، والمأوى هشًا، والتعليم معلقًا، والعمل غائبًا، تتحول الحياة نفسها إلى ساحة استهداف مفتوحة.
وفي الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، لا يحتاج الفلسطيني إلى استدعاء الماضي كي يثبت أن الاقتلاع مستمر.
يكفي النظر إلى غزة، حيث تتحول شروط الحياة الأساسية إلى معركة يومية بسبب الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكاته، وحيث يقاوم الناس لا من أجل العودة إلى بيوتهم فقط، بل من أجل الحفاظ على حقهم الأول: أن يعيشوا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك