في ريف الرقة حيث البلدات التي أنهكتها الحرب، لا تُقاس جهود إعادة الإعمار بكتل الحجارة والإسمنت فحسب، بل بإصرار السكان على ترميم حياتهم واستعادة الأمل بعد سنوات من النزوح والصراع.
ومن بين الركام، تبرز قصتان تجسدان معنى الصمود؛ الأولى لرجل فقد يده لكنه لم يفقد إرادته، والثانية لثلاثة شبان حوّلوا الأثاث المهمل إلى مصدر رزق وفرصة جديدة للحياة.
بالنسبة لثامر الظاهر، كان الرجوع إلى منزله في بداية الأمر أصعب امتحان في حياته.
فقبل الحادثة، عاش الرجل، البالغ من العمر 35 عاماً وهو أب لستة أطفال، على الزراعة التي كانت مصدر رزقه الوحيد لإعالة أسرته.
لكن لغماً أرضياً من مخلفات الحرب انفجر به، ما أدى إلى بتر يده اليسرى، وهدد مستقبله المهني بالكامل.
يقول ثامر مستذكراً تلك اللحظة: “فقدت يدي اليسرى وشعرت أن كل شيء قد توقف”، إلا أن مسؤولية إعالة أسرته دفعته إلى التمسك بالأمل وعدم الاستسلام، فافتتح متجراً صغيراً بجوار منزله، بالكاد كان يوفر الحد الأدنى من احتياجات عائلته.
وعلى بعد كيلومترات قليلة، وفي مدينة معدان نلمس تجربة أخرى من التعافي وإعادة البناء، وذلك من خلال ثلاثة أصدقاء هم هلال وعبد العزيز وعبد الرحمن، والذين قرروا الاستثمار فيما يعتبره غيرهم نفايات، عبر مشروع لإعادة تدوير الأثاث المستعمل.
وضع فكرة المشروع هلال، وهو معلم يبلغ من العمر 38 عاماً ولديه شغف كبير بالأعمال التجارية، بينما تولى عبد العزيز، النجار الماهر البالغ من العمر 30 عاماً ووالد لطفلين، الجانب المهني والخبرة الفنية.
أما عبد الرحمن، الذي كان في السابق عاملاً مياوماً والبالغ من العمر 29 عاماً، فقد أضفى الحماس والطاقة على الفريق.
ويشرح عبد العزيز فكرة المشروع قائلاً: “الظروف المعيشية صعبة، وأسعار الأثاث الجديد باهظة جداً.
ولهذا صرنا نشتري الأثاث القديم، ونصلحه، ثم نبيعه من جديد بأسعار تناسب أهالي المنطقة”.
من اليمين إلى اليسار: الصديقان عبد العزيز وهلال في ورشتهماغير أن التحول الحقيقي في حياة ثامر وأبناء جلدته الثلاثة جاء بعد إعلان محلي عن مشروع لدعم سبل العيش، ولم يكن هذا الدعم مجرد منحة مالية، بل شكّل نقطة انطلاق جديدة.
فقد خضع المستفيدون لتدريبات مكثفة حول إدارة الأعمال، شملت كيفية احتساب الأرباح ودراسة السوق وتطوير المشاريع.
وبفضل التمويل والتدريب، تمكن ثامر من توسيع متجره الصغير وتحويله إلى بقالية متكاملة مزودة ببرادات لحفظ المواد الغذائية.
في حين اشترى الشركاء الثلاثة معدات احترافية للنجارة ساعدتهم على تطوير عملهم وزيادة إنتاجهم.
ومن أبرز الخطوات التي اتخذها الطرفان، الاستثمار في أنظمة الطاقة الشمسية، في محاولة للتغلب على الانقطاعات المزمنة للكهرباء في المنطقة وضمان استمرارية أعمالهم.
واليوم، يقف ثامر بفخر داخل متجره الذي بات يعج بالحركة والزبائن، بينما أصبحت إعاقته الجسدية شاهداً على ما نجح في تجاوزه، لا على خسارته، فيقول بابتسامة تنم عن رضا كبير: “صرت اليوم أعمل وأؤمّن احتياجات عائلتي بالكامل”.
بالمقابل، تحوّلت ورشة إعادة تدوير الأثاث إلى مساحة نابضة بالنشاط، لا تقتصر مهمتها على إحياء الخشب القديم، بل تمتد إلى دعم الاقتصاد المحلي عبر تشغيل ورش أخرى والتخطيط لافتتاح معرض خاص بالأثاث مستقبلاً.
ورغم اختلاف القصتين، فإنهما تنتميان إلى مشروع واحد حمل عنوان “تعزيز سبل العيش وبناء القدرة على الصمود”، والذي استفاد منه 70 شخصاً في محافظة الرقة لإعادة بناء حياتهم من جديد.
وينفذ المشروع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع منظمة Cooperazione Internazionale، وبدعم من الحكومة الألمانية عبر بنك التنمية الألماني KfW، في خطوة تؤكد أن توفير الفرص إلى جانب الإرادة يمكن أن يفتح الباب أمام أمل بمستقبل أجمل، حتى في أكثر المناطق تضرراً من الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك