يقع تلاميذ محافظة السويداء جنوبي سورية، تحديداً في المناطق التي يسيطر عليها" الحرس الوطني" بقيادة الشيخ حكمت الهجري، ضحية تجاذبات حول ملفّ التعليم في المحافظة، لا سيّما مع اقتراب موعد الامتحانات الرسمية لتلاميذ شهادتَي التعليم الأساسي والثانوية العامة، في وقت يشدّد فيه مواطنون في السويداء على أنّ هذا الملفّ إنساني بحت، ولا بدّ من التعامل معه على هذا الأساس لضمان تقديم التلاميذ امتحاناتهم ومواصلة العملية التعليمية.
وأفادت وزارة التربية والتعليم السورية، في قرار يحمل رقم 1419 صدر اليوم الخميس، بأنّها تلتزم بالحفاظ على حقّ تلاميذ السويداء في التعليم، استناداً إلى ما تضمّنه القرار بشأن واجب الوزارة المتعلق بخضوع التلاميذ لامتحانات الشهادتَين العامتَين، وأشارت إلى أنّ عملية إجراء الامتحانات تتطلب بيئة آمنة وعادلة واشتراطات تربوية لإجرائها.
وفي المادة الأولى من قرارها الأخير، أعلنت الوزارة أنّها، بناءً على الأوضاع السائدة في محافظة السويداء وبناءً على مقتضيات المصلحة العامة، قررت إجراء امتحانات شهادتَي التعليم الأساسي والثانوية العامة بفروعها كافة، للعام الدراسي 2025 - 2026، الخاصة بأبناء محافظة السويداء في محافظتَي ريف دمشق ودمشق.
أمّا في المادة الثانية من القرار، فنصّت الوزارة على توزيع الطلاب على مراكز الامتحانات في محافظتَي دمشق وريف دمشق وفقاً للأصول المتّبعة، مشيرةً إلى أنّ الإعلان عن المراكز سوف يأتي في وقت لاحق عبر المنصّات والمعرّفات التابعة لها.
تجدر الإشارة إلى أنّه من المقرّر أن تنطلق امتحانات شهادتَي التعليم الأساسي في سورية، وفقاً لوزارة التربية والتعليم، في الرابع من يونيو/ حزيران المقبل، أي بعد أقلّ من شهر واحد، في حين تبدأ امتحانات الشهادة الثانوية العامة بفرعَيها الأدبي والعلمي في السادس منه.
من جهتها، رفضت مديرية التربية والتعليم في السويداء ما وصفته بأنّه" حملات تضليلية" تحاول تصويرها" عائقاً أمام الامتحانات".
ووجّهت في هذا الإطار نداءً عاجلاً، قبل إصدار وزارة التربية والتعليم في دمشق قرارها اليوم، إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) وإلى المجتمع الدولي وكلّ المحافل الحقوقية والإنسانية، ناشدتها فيه" التدخّل فوراً والضغط الفاعل لتحييد ملفّ التعليم عن الصراعات السياسية".
ورأت المديرية، في بيان أصدرته في وقت مبكر اليوم، أنّ" حرمان تلاميذ السويداء من تقديم امتحانات الشهادات العامة في مراكزهم الآمنة يمثّل انتهاكاً صارخاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل"، داعيةً إلى" ضمان حقّ التلاميذ في بيئة امتحانات عادلة ومنصفة بعيداً عن سياسات الإقصاء والتهجير التعليمي".
وأوضحت مديرية التربية في السويداء، في بيانها الذي نشرته على صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك، أنّ مقتضيات المصلحة العامة وحرصها على مستقبل تلاميذ السويداء تجعلها تستعرض" الحقائق".
وأفادت بأنّها سعت وبذلت كلّ ما في وسعها لتذليل العقبات أمام إجراء الامتحانات الرسمية، مشدّدةً على أنّ مصلحة التلاميذ" فوق كلّ اعتبار سياسي أو إداري".
وبيّنت أنّها أبدت" مرونة تامة واستعداداً كاملاً" للقبول بكلّ شروط وزارة التربية في دمشق، بما في ذلك إشراف وفد وزاري كامل على الامتحانات وضمان دخول المندوبين وناقلي الأسئلة من دمشق، لكنّها فوجئت بـ" قرار الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية الرافض إجراء الامتحانات في داخل السويداء، في خطوة لا يمكن وصفها إلا بالتعطيل المتعمّد والممنهج للعملية التعليمية".
ورأت المديرية، في بيانها نفسه، أنّ" محاولة حصر الامتحانات في مناطق جغرافية بعيدة وغير آمنة (ريف السويداء الشمالي والغربي أو ريف دمشق) ما هي إلا محاولة لفرض واقع تعجيزي على التلاميذ وذويهم في ظلّ الأوضاع الأمنية الراهنة"، ووصفت الأمر بأنّه" إقصاء قسري وحرمان مشروع من الحقّ في التعليم"، لافتةً إلى أنّ" قرار التعطيل صدر بختم رسمي من دمشق".
في سياق متصل، قدّم مدير التربية والتعليم في السويداء صفوان بلان استقالته لوزارة التربية والتعليم في دمشق، أمس الأربعاء، في إطار الخلاف على إجراء امتحانات الثانوية العامة في المحافظة من عدمه.
يُذكر أنّ هذه المرّة الثانية التي يقدّم فيها بلان استقالته، بعد مرّة أولى على خلفيّة اختطافه قبل أكثر من شهر بعد اقتحام مجموعات مسلحة مبنى المديرية، قبل أن يعود عن قراره.
يُذكر أنّ وسائل إعلام محلية أفادت بأنّ بلان كان قد حصل، في وقت سابق، على وعود شفوية من الوزارة بإجراء الامتحانات في المحافظة.
ويفيد مصدر" العربي الجديد" بأنّ" ثمّة خلافاً حول آلية إجراء الامتحانات بين المديرية والوزارة، إذ إنّ الآليات في المحافظة بإدارة بلان وعن طريق الوزارة رُفضت قطعاً من قبل الشيخ حكمت الهجري، الأمر الذي تبعه قرار الوزارة القاضي بإجراء الامتحانات في مناطق سيطرة الحكومة السورية وبإشراف مباشر منها".
يقول مدرّس في محافظة السويداء لـ" العربي الجديد" إنّ" من الممكن إجراء الامتحانات الرسمية في أيّ بقعة من الأراضي السورية، بما في ذلك مناطق سيطرة الهجري أو الحكومة السورية"، مشيراً إلى" إمكانية الإشراف عليها من قبل مدرّسين سوريين متخصّصين ومن موجّهين ومدرّسين قدماء".
يضيف: " هي عملية تربوية وتعليمية تخصّ مستقبل هؤلاء التلاميذ، ونلاحظ أنّ ثمّة طرفاً يحاول تعطيل هذه الامتحانات في الوقت الحالي"، لافتاً إلى" مرونة، وفقاً للمعطيات، في ما يتعلّق بالتعاطي مع الملفّ من قبل وزارة التربية السورية، فيما تبدو العرقلة حالياً من داخل المحافظة".
ويرى المدرّس الذي تحفّظ عن ذكر هويته أنّ" الوقت ليس في مصلحة التلاميذ في الوقت الراهن، وأنّ سماح وزارة التربية لهم بالخضوع للامتحانات خارج السويداء خطوة نحو الحلّ".
ويشرح أنّ" هذه الخطوة تترتب عنها، بالتأكيد، صعوبات في تنقّل التلاميذ وإقامتهم وتحضّرهم للامتحانات، ولا بدّ من أن ترافقها تسهيلات إضافية في حال أُجريت خارج المحافظة".
من جهته، يقول سعيد حلبي، من أولياء أمور تلاميذ السويداء المشمولين بالامتحانات الرسمية، لـ" العربي الجديد"، إنّ" التنقّل ليس سهلاً بالنسبة إلى التلاميذ خلال الامتحانات، في حال إجرائها خارج المحافظة"، مشيراً إلى" حواجز تفتيش في الجانَبين؛ مناطق سيطرة الحرس الوطني ومناطق سيطرة الحكومة".
بالنسبة إلى حلبي، فإنّ" رأس مال أهالي السويداء هو التعليم".
ويوضح: " بالتأكيد، سوف يخرج تلاميذ من المحافظة حتى يتمكّنوا من الخضوع للامتحانات في المناطق التي أعلنت عنها الحكومة السورية، لكنّ مخاوف تُسجَّل في الواقع بين التلاميذ وأهاليهم؛ فالمسألة ليست سهلة فعلياً".
ويتابع: " ننتظر احتمال إجراء امتحانات داخل المحافظة"، مبيّناً أنّ" من شأن هذا الأمر أن يقلّل المخاوف، ويقلل كذلك الأعباء المادية التي سوف تنتج عن تنقّل التلاميذ من السويداء وإليها".
وكانت شبكة السويداء برس قد أشارت إلى أنّ وزارة التربية اقترحت دخول وفد وزاري برفقة منظمات دولية، على رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من أجل تولّي الإشراف على سير الامتحانات وضمان سلامة الكوادر التعليمية، إلا أنّ الهجري رفض هذا المقترح كذلك، بزعم عدم القدرة على ضبط الشارع والخشية من تعرّض أعضاء الوفد لأعمال عنف.
في هذه الأثناء، يترقّب نحو 14 ألف تلميذ وتلميذة في محافظة السويداء مصير امتحاناتهم، من بينهم نحو خمسة آلاف ممّن تترتّب عليهم إعادة امتحانات العام الماضي نظراً إلى عدم اعتراف الوزارة بنتائج الدورة السابقة.
ويبقى بالتالي مصير هؤلاء جميعاً معلّقاً، في انتظار التوصّل إلى صيغة توافقية تنهي حالة الانقسام بين دمشق والسويداء.
ويصف مصدر تربوي نقل هؤلاء التلاميذ إلى محافظات أخرى بأنّه" خيار صعب على الصعيدَين اللوجستي والمعيشي".
ويشرح المصدر لـ" العربي الجديد" أنّ" من أبرز العقبات الحالية اعتماد مراكز الامتحانات، وتأمين كوادر المراقبة، وآلية نقل الأسئلة، بالإضافة إلى الحاجة إلى قرار رسمي واضح يضمن سير الامتحانات بطريقة طبيعية والاعتراف بالنتائج"، لافتاً إلى أنّ" وزارة التربية لم تعترف بنتائج امتحانات الثانوية العامة في العام الماضي، علماً أنّها أُجريت بإشراف محلي وفقاً للمنهاج الرسمي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك