قبل انفصال جنوب السودان وتصويت شعبه للانفصال عن السودان حذّرت دراسة من أن انفصال جنوب السودان بعد فترة انتقالية قصيرة سوف يخلق منه دولةً ضعيفةً تنتاشها أطماع الدول المحيطة وهي دراسة أثبتت التجربة صوابها وقد انعكس هذا الضعف حتى على السودان الكبير الذي غدا كالفريسة وسط قطيع من الضباع ينتاشه محيطه القوي بسهامه وإن بدا غير ذلك وهو عين ما يعانيه السودان اليوم.
المراقب والمتتبع لمآلات الوضع الراهن يرى أن كل أو معظم حلول المشكلة السودانية أصبحت بيد الخارج فسودان اليوم أضحى منطقة ضغط منخفض محاطة بأطماع خارجية إقليمية كانت أم دولية لذلك أصبح التعويل على الخارج هو المسيطر في وقت فقد فيه السودان معظم أجيال ما بعد الاستقلال المتمرسة سياسيا تلك الأجيال التي وإن تقاصرت في بعض المحطات كانت على دراية بكيفية التعامل مع الخارج حتى وإن ارتبطت به في بعض الأحيان ومن أمثال تلك القيادات الإمام الصادق المهدي والزعيم محمد إبراهيم نقد والقيادي الإسلامي الشيخ حسن عبد الله الترابي الذين أنجزوا في كثير من المحطات مقاربات قادت إلى تحالفات قرّبت العمل الجماهيري وأسهمت في إنجاز عدد من الثورات.
الوضع الماثل اليوم يحتاج إلى اختراقات حقيقية تقرّب المسافات بين الأضداد لمصلحة جميع السودانيينفبعد حرب 1976 فاجأ السادات العالم في عام 1979 بذهابه إلى اتفاقية كامب ديفيد وقال مقولته التي نحتاجها اليوم “إنني مستعد للذهاب إلى نهاية العالم من أجل السلام” ولم ينس أولئك الذين أذهلهم القرار فقال “إنني ألتمس العذر لكل من أذهله القرار أو تشكك في سلامة النوايا وراء إعلان القرار”.
السودان اليوم يحتاج إلى رجال يمتلكون شجاعته يجعلون من السلام غايةً في ظل وضع أصبح فيه السودان مهدداً حتى في وجوده فلا ثمن اليوم يعادل دماء الأبرياء التي تنزف ولا أحد أحرص على دماء السودانيين من أبنائه أما العالم الخارجي ومحيطنا الذي حولنا فليس بعاصم لنا إذا ما حدث الانجراف وأصبحت حرب الكل ضد الكل فالعالم قد يطعمك كفافاً ويربت على رأسك كاليَتيم الذي يبحث عن وليٍّ له في عالم قلّ فيه أولياء الله الصالحين الذين يطعمون دون مقابل.
إن المقاربات الشجاعة التي تقرّب البعيد مطلوبة اليوم وبشدة من أجل أصوات المكلومين والمروّعين وترفّقاً بهم.
قبل اليوم حين اشتدت وطأة النظام في الداخل وزادت قبضته الأمنية أزمعت القوى المدنية على تسيير موكب سبقته الأجهزة الأمنية بإغلاق الطرق كافة مع انتشار أمني كثيف ورغم ذلك وصل الزعيم محمد إبراهيم نقد وكتب مقولته الشهيرة حضرنا ولم نجدكمنحن اليوم بحاجة إلى أن نحضر جميعاً وأن تصطف كل القوى المدنية وهي تحمل رايات السلام ولو حملتها ذراع واحدة إنابةً عن الجميع فقد تصبح صرخة في زمن الصمت إن رايات السلام يجب أن ترفع وأن تُنكَّس رايات الحرب فكل الدماء المراقة اليوم دماء سودانية الواجب أن تُحقن بالسلام ذلك السلام الذي هو من أعظم أسماء الله سلام يجعل من هذه الحرب آخر حروبنا ومآسينا سلام يخاطب جذور المشكلة السودانية ويعيد النازحين واللاجئين وينصف الضحايا لا سلام النخب التي ظلت دوماً تبحث عن المناصب والامتيازات وكلما فقدتها أشعلت حربها من جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك