كانت تضحك وعيونها مفتحة في المغتسل وكأنها تقول لي أنا بخير “مافيني شي”القيادة خففت وجع المصاب… والشعب لم يتركنا وحدنارأسي مرفوع وابنتي فداء للوطن.
وتبت يد قاتليهالو قدر الله لها أن تبقى بعد الضربة ستكون معوقةنقف صفا واحدا مع جلالة الملك لحماية البحرينلكيلا يتراكم الرماد على جمر الذاكرة الوطنية فننسى، ننحن اليوم في لقاء استثنائي مع عائلة شهيدة البحرين سارة دشتي، التي رحلت مقتولة جراء العدوان الإيراني الغاشم، بعدما باغتتها يد الغدر وهي تجلس برفقة صديقاتها في أحد مقاهي منطقة السيف، في لحظة كان يفترض أن تكون عادية وآمنة، قبل أن يحولها العدو إلى فاجعة لا تزال آثارها حاضرة في قلب كل بحريني، ولن تمحى من ذاكرة الزمان والمكان.
خمسة وستون يوما مرت على رحيل الشابة سارة، لكن الغياب لا يقاس بالأيام، بل بحجم الفراغ الذي يتركه الإنسان في حياة من أحبوه.
واليوم وللمرة الأولى، تفتح عائلة الشهيدة قلبها لتروي تفاصيل اللحظات الأخيرة من حياتها، وقصة قتلها، وحديث يطول حياة سارة الإنسانة والابنة والأخت والصديقة، التي قتلت وكأنَّ نداء باسمها ينادي في أفق البحرين: أين حقي؟ !في هذا اللقاء الذي تجريه “البلاد” مع والدها عبدالمجيد، لا نستعيد قصة استشهاد، بل نستحضر وجع البحرين ككل، ورسالة بأن أرواح الشهداء لا يمكن أن تتحول إلى رقم عابر.
بدأنا اللقاء، وتصور نفسك وأنت تقف أمام إنسان وطني استشهدت فلذة كبده غدرًا بضربات إيرانية آثمة على مناطق سكنية آمنة، فعلا لحظة لا تستطيع أن تنطق خلالها أي كلمة، وهنا بادرته، وقلت أسعفني أبوحسين هل لك أن تبدأ من دون سؤال؟نعم، إن سارة ليست بنتي لوحدي، نعم أنا والدها الذي جاءت من صلبي، لكنها ابنتكم، وبنت البحرين ككل.
أريد بادئ ذي بدء بالأصالة عن نفسي وبالإنابة عن عائلتي أن أتقدم بجزيل الشكر والتقدير إلى حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس الوزراء، حفظه الله، وإلى مستشار صاحب السمو ولي العهد رئيس الوزراء سمو الشيخ علي بن خليفة آل خليفة، وإلى سمو الفريق الركن الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، وإلى سمو العميد الركن الشيخ خالد بن حمد آل خليفة، وإلى الفريق أول ركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية، وأصحاب السمو والمعالي والسعادة من أفراد الأسرة المالكة والوزراء والمسؤولين وإلى جميع شعب البحرين والشعوب الخليجية والعربية على تعازيهم إيانا بفقدنا فلذة كبدنا ابنتنا الشابة سارة.
فشكرًا لجلالة الملك المعظم وشكرًا أيضًا لسمو ولي العهد رئيس الوزراء، الذي جلس معنا جلسة طويلة في مجلس العزاء رغم مشاغل سموه.
وكذلك شكرا إلى سمو الشيخ ناصر بن حمد وسمو الشيخ خالد بن حمد، اللذين زارانا في البيت وجلسا معنا، وبعد مغادرتهما المنزل، قال أولادي لقد شعرنا “أنهم منا وفينا”، جلسا معنا كعائلة واحدة.
والشكر أيضا موصول لسمو الشيخ علي بن خليفة، وهو أول شخص زارنا في التعزية، وكذلك الشيخ راشد بن عبدالله وزير الداخلية.
أبو حسين، اغفر لي هذا السؤال، مضى 65 يوما على وفاة الشهيدة سارة؟ كيف هي أحوالكم؟ هذا سؤال يتردد من جميع البحرينيين والخليجيين الذين يشاركونكم الحزن والألم على فقدكم الأليم.
أخبارنا أننا نعيش بعدها في حزن وألم، ولا يمكن أن ننسى سارة حتى يوم القيامة، وسنتلاقى معها في الجنان.
ويكمل إجابته والد الشهيدة وسط نوبة بكاء حادة ويقول: تصور كل يوم كانت تنزل من درج المنزل، وأنا ما زلت أراها تسلم علي في الوقت المعلوم الذي تنزل فيه من الدرج.
ما زلت أتحسس الموضع الذي تطبع فيه قبلاتها على جبهتي، أحسها أنها معي طوال الوقت، أنا لا أستطيع أن أنام إلا وهي معي، هي تكلمني بخيالي وتسألني: كيف حالك، هل أنت بخير؟ ومازلت أسألها هل تحتاجين شيئا؟ هل تحتاجين مبلغا معينا؟يقطع حديثه من جديد معي، ويمسح دموعه التي كانت تنزل لا شعوريًا: الحمد لله أنا في حال ميسور، وأولادي أساعدهم وأعطيهم رواتب، حتى وهم يعملون، لا أحب الأموال وأريدها لهم.
وسارة قبل ذلك كنت أساعدها ولكن في الفترة الأخيرة وقبل رحيلها لا تريد مني أن أعطيها أموالا.
وعرفت بعد وفاتها أنها تساعد الفقراء والمحتاجين الذين حولها، و”تمشّي للبعض مقطوع مالي شهري”.
نعم، نحن نعيش في حالة لا يستطيع أحد أن يتصورها، ولكن وقفة القيادة والشعب خففا علينا وطأة الفاجعة، وليس الأمر غريبا على هذا الشعب الوفي.
شعب البحرين عظيم والبحريني غير، ويختلف عن جميع شعوب العالم، وقفوا معنا ولم يتركونا لحد الآن.
ويزوروننا لحد الآن.
أعلم أن التفاصيل مؤلمة، ولكن خذ بيدنا لتلك الليلة العصيبة التي صارت فيها الفاجعة؟كانت ليلة مؤلمة جدًا، كنت نائما ودخل عليّ ولدي، وهو يبكي ويقول سارة توفت، فقلت له صل على النبي، ماذا تقول؟ !فقال ابني إن سارة قالت ستذهب إلى السيف وسترجع بسرعة، ولكن الآن في (السوشال ميديا) خبر منتشر أن هناك قتيلة جراء ضربة إيرانية آثمة على أحد المباني في منطقة السيف.
ووسط الذهول بين أفراد العائلة، رن الهاتف، وكان أحد من أفراد وزارة الداخلية، فقال هل أنت مجيد؟ أجبته نعم، فقال عظم الله لك الأجر في بنتك.
وهنا توقف يبكي محدثي عبدالمجيد، وبعد أن تمالك نفسه قال: بكيت لحظتها وسقط الموبايل من يدي واتصلت في أولادي والعائلة وذهبنا إلى المشرحة.
وزارة الداخلية لم تقصر واستقبلونا هناك بصدر رحب، وسهلوا أمورنا، ورأينا سارة في المشرحة.
أنا آسف على سؤالي هذا لأني أعرف أنه سؤال مؤلم، ولكن لكي نعرف التفاصيل ويعرف العالم حجم الجريمة، كيف رأيتم سارة، وماذا أصابها؟بنتي كانت سليمة الجسم، ولكن لديها ضربة قوية في الرأس، هذه الضربة أدت إلى وفاتها، وزيرة الصحة جليلة السيد قالت لي: من رحمة الله عليها وعليكم أنها لم تبق على قيد الحياة، وانتقلت إلى رحمة الله في ليلة عظيمة من ليالي شهر رمضان، لأنها لو قدر الله لها أن تبقى بعد الضربة ستكون معوقة.
ولكن أريد أن أقول لكم شيئا، عندما ألقيت عليها النظرة الأخيرة في المغتسل لم أصدق أن هذه هي بنتي.
كانت تضحك، وعيونها مفتّحة، كأنها تقول لي أنا بخير “مافيني شي” وطلتها جميلة جدا، فقال لي أحد أصحاب الفضيلة أن هذه سمات الشهداء واضحة وجلية عليها.
وصلنا الآن إلى مشهد سيخلد في الذاكرة الوطنية إلى الأبد، وهي مجلس فاتحة الشهيدة، رأينا القيادة وأصحاب السمو والمعالي والسعادة، وفسيفساء وطنية تحظر وتشارككم العزاء، شعب البحرين كله كان حاضرا، كيف قرأت هذا الأمر، وما هي انطباعاتكم كأسرة؟كنت في حالة غريبة، لم أكن أتعرف على الناس خلال الثلاثة الأيام التي عقدت فيها الفاتحة، ولكن أحب أقول لك، وقفت معنا القيادة وقفة منقطعة النظير، شعب البحرين، وتضامن وتعظيم أجر من السعودية والكويت والإمارات وكل دول الخليج العربي، وهذا خفف علينا وطأة الفاجعة.
توقفت قليلا وأطرق رأسه وهو يتنهد وبكى، وهو يقول: سارة رحلت، ورحلت معها السعادة التي كانت موجودة في البيت.
لا اعتراض على أمر الله، عفوك يا رب، سارة كانت هدية من رب العالمين، وأخذت هذه النعمة ولا اعتراض، وإن الله مع الصابرين.
أنت تعلم أن الهجمات النفسية المعنية بالفقد تأتي على شكل موجات خلال الأيام، وتطرق القلب طرقًا عنيفًا وتكون مصحوبة باللوعة والألم، كيف تواجه هذه اللحظات؟بصراحة تامة، أنعزل بنفسي وأدخل في نوبة بكاء شديدة، “وإلى اليوم قبل لا تأتون كنت أسمع حديث معالي وزير الداخلية الذي خص فيه سارة، اسمعه وأبكي”.
والآن ليس لدينا سوى الصبر إلى يوم اللقاء في جنة الخلد، هذا امتحان لنا وللعائلة ولشعب البحرين أيضًا.
واستحضر الآية الكريمة وقال: “أحسب الناس أن يتركوا أَن يقولوا آمنا وهم لَا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن اللَّه الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين”.
أعلم أن ليس ثمة شيئا يعوّض سارة، ولكن ما الأمر الذي من الممكن أن يسكن ألمكم ومصابكم؟وجود القيادة الرشيدة معنا، جلالة الملك وسمو ولي العهد رئيس الوزراء، سمو الشيخ علي بن خليفة، سمو الشيخ ناصر بن حمد، سمو الشيخ خالد بن حمد، وزير الداخلية، وأصحاب السمو والمعالي، وشعب البحرين.
زارونا في مجلس العزاء وفي منزلنا، وهذا ما خفف الأمر علينا، لكن لا يمكن أن ننسى سارة أبدًا، هذه بنت بارة حنون طيبة، لم تؤذ أحدا في حياتها، وكانت تحب الجميع.
يتسابق الجميع من محبيها أن يتصدقوا صدقات جارية لها، هذه إنسانة لا تنسى، ليس لدي كأب، وهي حبيبة قلبي وفلذة كبدي، لكن لدى الناس أيضًا.
رأيت فتاة في المقبرة تبكي بحرقة وبطريقة هستيرية: سألتها من أنت، قال إنها صديقة طفولة سارة، أما عمن كانوا معها ليلة الحادثة فحالتهم يرثى لها، وهم دائمو التواصل والزيارة لنا، يعيشون اللوعة والألم كما نعيشها نحن كعائلة.
هنا ينفجر بالبكاء ويقول: لعنة الله عليهم، ونتلاقى يوم الحساب، يوم يكون القاضي الله سبحانه وتعالى، قتلوا شابة في عمر الزهور، خطفوا عمرها بلا ذنب.
هل تريد أن تقول شيئا أيضًا عن سارة؟سارة موضع حب وتمجيد وفخر لنا ولكل من عرفها، وما أقول إلا الحمد لله، لا نريد أن نجزع، لا نريد غضب الله، الله امتحننا ويريد منا الصبر، وسنصبر بإذن الله.
سامحني هيجت أحزانك، ولكن ثق أن جزءا من العلاج هو نزف الألم على شكل بكاء، أو كتابة، أو تحدث.
أن تتحدث للناس عن فاجعتكم لأنها فاجعة على مستوى البحرين، وابتكم موضع فخر وعز واعتزاز لكم ولكل بحريني، وثق أن القيادة والشعب لن يدخروا سبيلا في وقفتهم معكم، ولن ينسى أحد دمها الطاهر، فهو الذي سيفتح لنا القدر الجميل إن شاء الله.
هنا يقاطعني ويقول: إن حب الوطن في قلوبنا نحن، نعتبر سارة فداءً للوطن، وحب الوطن ليس كلاما يجري على اللسان، بل أداء الواجب والوقفة مع القيادة، والبحرين تستحق منا أن نفديها بالغالي والنفيس.
الرؤية الحكيمة لجلالة الملك تمثل مرتكزًا أساسيًا لترسيخ الوحدة الوطنية بين مختلف مكونات الشعب، وهذا أمر شاهدناه في مجلس الفاتحة.
نحن نؤكد وقوفنا صفا واحدا مع جلالة الملك لحماية أمن البحرين، وصون سيادتها.
رأسي مرفوع، ونسأل المولي القدير أن يحفظ قائد المسيرة جلالة الملك المعظم، ويحفظ البحرين من كل مكروه.
أحب أن أقول شيئا أيضًا: لما زارني سمو الشيخ ناصر، قال لي إن جلالة الملك أمرني أن أقدم إلى منزلكم وأواسيكم وأوصل لكم رسالة جلالة الملك لي.
لقد غمروني بما قدموا لي من مواساة.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك