تحوّل أمن الملاحة في مضيق هرمز إلى اختبار دولي حقيقي لقدرة العالم على حماية شرايين الطاقة والتجارة، في ظل تصاعد التوترات في المنطقة، وتزايد المخاطر التي تهدد حركة السفن التجارية والمدنية.
ولم تعد دول الخليج في هذا المشهد مجرد طرف متأثر بإغلاق المضيق أو اضطراب الملاحة فيه، بل باتت حاضرة في قلب المعادلة بوصفها شريكًا أساسيًا في أي ترتيبات دولية لحماية الأمن البحري وضمان استقرار الأسواق العالمية.
ويكشف تقرير للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، بعنوان “ما فرص تشكيل تحالف أوروبي خليجي لحماية حرية الملاحة؟ ”، أن مضيق هرمز أصبح إحدى أبرز أوراق الضغط في الصراعات الإقليمية والدولية، نظرًا لما يمثله من أهمية حيوية لحركة النفط والغاز والتجارة الدولية.
ويشير التقرير إلى أن أي تهديد للملاحة في المضيق لا ينعكس على دول الخليج وحدها، بل يمتد أثره إلى أوروبا وآسيا والاقتصاد العالمي، بما في ذلك أمن الطاقة وسلاسل الإمداد وأسعار السلع الأساسية.
وتعزز هذه القراءة ما ورد في بيان المملكة المتحدة بشأن اجتماع دولي واسع دعت إليه لندن وباريس، بمشاركة أكثر من 40 دولة، لبحث دعم مهمة عسكرية متعددة الجنسيات ذات طابع دفاعي مستقل، تهدف إلى تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، وحماية السفن التجارية والمدنية، وتنفيذ عمليات إزالة الألغام البحرية.
ويحمل هذا التحرك دلالة استراتيجية مهمة، إذ ينقل ملف حماية هرمز من دائرة القلق والتحذيرات إلى مسار عملي منظم، يقوم على التنسيق الدولي وتوزيع الأعباء، مع الحرص على أن تبقى المهمة دفاعية ومستقلة ومنفصلة عن أي حملات عسكرية أخرى.
كما أن التأكيد على التزام القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يمنح المهمة غطاءً سياسيًا وقانونيًا، ويعزز مشروعيتها أمام المجتمع الدولي.
وتكمن قوة الموقف الخليجي في أن دول الخليج لم تعد تنتظر ترتيبات أمنية تُصاغ بعيدًا عنها، بل أصبحت جزءًا من هندسة الاستجابة الدولية، بحكم موقعها الجغرافي، وثقلها في أسواق الطاقة، ودورها المحوري في استقرار التجارة العالمية.
فحماية مضيق هرمز لم تعد مسألة أمنية محلية، بل مصلحة عالمية مشتركة، والخليج هو الطرف الأكثر معرفة بحساسية الممرات البحرية وارتباطها المباشر بالأمن الاقتصادي والغذائي والطاقي.
ويشير تقرير المركز الأوروبي إلى أن فرص التعاون الأوروبي الخليجي تتزايد في مجالات الأمن البحري، وتبادل المعلومات، وإزالة الألغام، وحماية البنية التحتية الحيوية، والأمن السيبراني، مرجحًا أن يكون السيناريو الأقرب هو قيام تحالف محدود لحماية الملاحة، لا تحالف دفاعي واسع، نظرًا لحساسية المشهد وتباين الحسابات الدولية.
ورغم أن المهمة لن تبدأ إلا في بيئة مواتية، فإن مشاركة أكثر من 40 دولة في هذه المشاورات تعكس إدراكًا دوليًا متناميًا بأن أمن الخليج لم يعد شأنًا إقليميًا محدودًا، بل قضية عالمية تتصل باستقرار الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.
كما أن التركيز على حماية السفن المدنية والتجارية وإزالة الألغام يؤكد أن الهدف الرئيسي هو منع الفوضى البحرية، لا توسيع رقعة المواجهة.
وفي المحصلة، تبدو دول الخليج أمام لحظة استراتيجية مهمة؛ فهي لا تكتفي بإدارة تداعيات الأزمات، بل تتحرك ضمن شبكة دولية أوسع لحماية مصالحها ومصالح الاقتصاد العالمي.
ومن هنا، فإن التحرك الدولي في مضيق هرمز يعكس انتقال الخليج من موقع المتأثر بالتهديدات إلى موقع الشريك القوي في صناعة أمن الملاحة العالمي.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك