في العراق، لا تتشكّل الوزارات كما تتشكّل الحكومات في الدول الطبيعية، فأيّ وزارة عراقية تُرتّبها موائد السياسة وتجمّعات الأحزاب المزمنة القائمة على أسس طائفية أو عرقية أو جهوية، وتجرى تفاهماتها في الكواليس.
أمّا الشعب، فيُطلب منه، كالعادة، أن يصفّق لـ" العرس الديمقراطي"، والبيت كلّه خراب على وشك الانهيار.
جاءت الوزارة الجديدة كأنّها نسخة مُعاد تدويرها من 20 عاماً من الفشل نفسه.
أسماء تدور في الفلك نفسه، ووجوه استهلكتها الصفقات والمحاصصة، وشخصيات لا تملك من الخبرة سوى قدرتها على البقاء داخل مستنقع السلطة من دون أن تغرق.
وزراء لا يحملون مشروع دولة، بل مشاريع أحزاب ومكاتب اقتصادية وعلاقات خارجية وصفقات ترضية، وكأنّ العراق لم يعد وطناً، بل شركة مساهمة تتقاسم أرباحها طبقة سياسية احترفت تقاسم الخراب.
لا سياسة خارجية مستقلّة تحفظ للعراق هيبته ومكانته، بل سلسلة من التنازلات التي تُقدَّم تحت عناوين الواقعية السياسيةمن المفترض أن يكون الوزير، في أيّ دولة محترمة، صاحب كفاءة ورؤية ومسؤولية تاريخية وبرنامج ذكي، أمّا في العراق فالمعيار يبدو مختلفاً.
فالطاعة والولاء، ضمن صفقة علاقات تضمن بقاء النفوذ الإيراني أو الحزبي أو المليشياوي، هما المؤهِّلان لإدارة بلد يطفو فوق بحر من النفط ويغرق في الظلام.
والأكثر سخريةً أنّ هذه الطبقة السياسية لا تزال تتحدّث باسم الديمقراطية، وكأنّ الديمقراطية تعني أن تعيد الوجوه نفسها تدوير نفسها عقدَين، بينما يهاجر الشباب، وتنهار الخدمات، وتُنهب الثروات، ويُهمَّش المبدعون، ويُترك المواطن بين الفقر والبطالة واليأس.
لقد تحوّلت الديمقراطية في العراق، على أيديهم، من نظام لبناء الدولة إلى مسرح كبير لتوزيع الغنائم تحت شعارات براقة فارغة.
بل وبات العراق بأيدي عشرة أشخاص يمثّلون طبقةً بنتاميّةً (نفعيّة) فاسدة.
وإذا كانت الحكومات تُقاس أيضاً بعلاقاتها الخارجية، فإنّ المشهد العراقي يبدو أشبه بسفينة فقدت بوصلتها وسط بحر من التناقضات.
علاقات سياسية مهترئة مع الجيران، لا تقوم على احترام المصالح الوطنية بقدر ما تقوم على الارتهان والتوازنات الهشّة.
العراق، الذي كان يوماً رقماً صعباً في المنطقة، أصبح ساحةً مفتوحةً لتصفية الحسابات الإقليمية، يتلقّى الضربات من الجميع ولا يملك قرار الردّ.
الحدود رخوة، والسيادة مرتبكة، والدبلوماسية العراقية تحوّلت إلى موظّف استقبال لمشاريع الآخرين.
فلا رؤية استراتيجية واضحة، ولا سياسة خارجية مستقلّة تحفظ للعراق هيبته ومكانته، بل سلسلة من التنازلات التي تُقدَّم تحت عناوين الواقعية السياسية، بينما الحقيقة أنّها انعكاس لضعف القرار الوطني وارتهانه للخارج.
أمّا الفساد، فلم يعد مجرّد" ظاهرة" في العراق، بل تحوّل إلى نظام حكم كامل له أذرعه وحماته ومريدوه.
فساد يبتلع المليارات فيما المدارس تتهاوى، والمستشفيات تتحوّل إلى مقابر بطيئة، والطرق تزداد خراباً رغم الميزانيات الانفجارية.
لم يعد العراقي يسأل: " هل هناك فساد؟ " بل أصبح يسأل بدهشة: " هل بقي شيء لم يفسد بعد؟ ".
العقود تُباع، والمناصب تُشترى، والمشاريع تُنهب قبل أن تبدأ، واللصوص يرتدون بدلات رسمية بربطات فاخرة، ويتحدّثون عن الوطنية في شاشات التلفاز من دون خجل.
والأسوأ أنّ الفاسد في العراق لا يُحاسب، بل يُكافأ أحياناً بمنصب أعلى وحماية أكبر.
وفي مقابل هذا الانحدار، تقف مأساة أخرى أكثر إيلاماً: الإهمال المتعمّد للكفاءات العراقية اللامعة المنتشرة في العالم.
وهم الذين أثبتوا نجاحهم في المؤسّسات الدولية، تُغلق أبواب الوطن في وجوههم لأنّهم لا ينتمون إلى حزب نافذ أو مليشيا مؤثّرة.
العراق الذي أنجب العقول، صارت فيه مهمَّشة وترحل بصمت، بينما تُمنح المناصب الحسّاسة لأشباه الأمّيين سياسياً وأصحاب الولاءات الضيّقة.
كم هو مؤلم أن ترى العراق يُدار من أشخاص لا يجيدون سوى لغة الصفقات والمحاصصة.
لقد أصبح الانتماء الحزبي أكثر أهمّيةً من الشهادة، والولاء الخارجي أقوى من الكفاءة الوطنية، وهذه وحدها كافية لشرح سبب استمرار الانهيار.
كيف يمكن بناء مستقبل للعراق بوزراء تحكمهم المصالح الضيّقة قبل المصلحة الوطنية؟ كيف يمكن إصلاح التعليم مع مَن يرى الوزارة فرصةً للتعيينات الحزبية؟ وكيف يمكن إنقاذ الاقتصاد بمن لا يرى في الدولة سوى خزنة مفتوحة؟ إنّ الدول تُبنى بالكفاءات والعقول الحرّة، لا بالتابعين والمنتفعين وأصحاب الولاءات العابرة للحدود.
لقد غدا حكم العراق بأيدي دمى يحرّكها المتحاصصون، وهم ضمن طبقة تاريخها مشبع بالفساد.
لا تزال الطبقة السياسية العراقية تتحدّث باسم الديمقراطية وكأنّها تعني إعادة تدوير الوجوه نفسها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك