تواجه دول مجلس التعاون الخليجي تحدياً استراتيجياً غير مسبوق في ظل الشلل شبه الكامل الذي أصاب الملاحة في مضيق هرمز، حيث تشير البيانات إلى انخفاض حركة الشحن البحري بنسبة تتجاوز 90% منذ بدء الأزمة في فبراير/شباط الماضي، ما دفع الأمانة العامة للمجلس إلى تفعيل بروتوكولات طارئة تهدف إلى تحويل بوصلة الإمدادات الحيوية نحو ممرات برية بديلة، مع التركيز على حماية تدفقات الأسمدة التي تمثل ركيزة الأمن الغذائي العالمي.
وتسيطر دول الخليج على نحو ثلث تجارة اليوريا والأمونيا عالمياً، وبات التحول نحو" اقتصاد الممرات" ضرورة وجودية لضمان استمرارية الشراكات الزراعية الدولية وحماية الأسواق العالمية من قفزات سعرية كارثية، حسب تقدير نشرته منصة" جي سي سي بيزنس ووتش" (GCC Business Watch) المتخصصة في شؤون الاقتصاد الخليجي في 11 مايو/أيار الجاري.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة لبناء" احتياطي استراتيجي خليجي للأسمدة"، وفق تقرير نشرته منصة AgFunderNews المعنية بتقنيات سلاسل الإمداد الزراعية والابتكار الغذائي في 26 مارس/آذار الماضي، مشيراً إلى أن هذا المفهوم يختلف جذرياً عن احتياطيات النفط التقليدية، نظراً لارتباط الأسمدة بالتقويم البيولوجي للمحاصيل الذي لا يقبل التأجيل.
وفي قلب هذه التحولات، تلعب هيئة الاتحاد الجمركي الخليجي دور المحرك الرئيسي في إدارة نقص الواردات البحرية عبر تحويل الحركة إلى الممرات البرية دون التسبب في اختناقات حدودية كبرى، حسب تقدير نشرته منصة" سبلاي تشين برين" (Supply Chain Brain) المتخصصة في إدارة سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية في 2 فبراير/شباط الماضي، مشيراً إلى أن الهيئة أثبتت قدرتها على إدارة النقص في الواردات البحرية عبر تحويل ما يقرب من 90% من الحركة اللوجستية إلى ممرات برية رقمية دون التسبب في اختناقات حدودية كبرى.
واعتمد هذا النجاح على تفعيل" آلية العبور اللوجستي الاستثنائية" التي تتيح للشاحنات المختومة جمركياً التحرك بين الموانئ البديلة والمراكز الصناعية دون الحاجة إلى إجراءات تخليص نهائية عند كل نقطة عبور.
في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي حسام عايش، لـ" العربي الجديد"، إلى أن الصراع الحالي كشف عن الدور المحوري لدول الخليج خزانا استراتيجيا للأمن الغذائي العالمي، حيث يمر عبر مضيق هرمز نحو 30% من تجارة الأسمدة العالمية، بما في ذلك اليوريا والأمونيا والكبريت، بالإضافة إلى الألمنيوم والهيليوم، ما يعني أن أي اضطراب في إمدادات هذه المواد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً بنسب تراكمية قد تتجاوز التقديرات الرسمية لمنظمة الأغذية والزراعة" فاو"، ويسهم في رفع معدلات التضخم العالمية.
ويؤدي ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة تتراوح بين 30% و40% أو أكثر، مقترناً بارتفاع أسعار النفط والغاز، إلى زيادة الضغوط التضخمية التي تؤثر بشكل حاد على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في الدول الناشئة والهشة، حسب عايش، ما يدفع دول الخليج إلى التفكير في إقامة شراكات استراتيجية مع دول أخرى لتخزين الأسمدة والأحماض النيتروجينية فيها، لضمان استمرارية الإمداد العالمي لفترة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر على الأقل.
ويلفت عايش إلى أن دول الخليج تسعى لاستبدال النقل البحري بالنقل البري عبر خطوط إمداد خلفية تمتد إلى الأردن وسورية والعراق وتركيا، أو عبر السعودية إلى موانئ البحر الأحمر، غير أن هذا التحول يواجه صعوبات فنية وتقنية هائلة تتعلق بعدم جاهزية البنية التحتية الحدودية، ونقص أصول الشحن المناسبة، وقدرات التخليص الجمركي، ما قد يسبب اختناقات مرورية كبرى ويعرقل سلاسل الإمداد البرية بدلاً من حلها.
ويواجه النقل البري تحديات تتعلق بارتفاع استهلاك الطاقة والمخاطر المرورية وكلفة صيانة الشاحنات، وفق عايش، مشيراً إلى أن الحلول المطروحة حتى الآن تبقى مؤقتة وغير مستدامة، ولا يمكن الاعتماد عليها بديلا دائما للمسارات البحرية نظراً إلى التكاليف الباهظة والإرهاق اللوجستي للمراكز الحدودية.
في المقابل، يرى الخبير في الاقتصاد السياسي بيار الخوري، أن مجلس التعاون الخليجي يمتلك فرصة نادرة لتأكيد دوره المتغير في الاقتصاد العالمي، ليس فقط مركزاً لإنتاج الطاقة، بل أيضاً" ضامناً لاستقرار الأمن الغذائي" عبر بناء احتياطي استراتيجي للأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية والبوتاسية، مستفيداً من سيطرته على عناصر حاسمة مثل الغاز الطبيعي منخفض الكلفة، والبنية التصديرية العملاقة، والموقع الجغرافي الرابط بين القارات، حسب إفادته لـ" العربي الجديد".
ويقوم نموذج" الأسمدة مقابل الغذاء" على توقيع اتفاقيات طويلة الأمد مع الدول الزراعية الكبرى، تضمن تدفقات مستقرة من الأسمدة بأسعار تفضيلية مقابل أولوية توريد الحبوب والزيوت النباتية في أوقات الأزمات، وهو نهج يشبه" دبلوماسية الطاقة" لكن بغطاء غذائي يمنح الخليج قدرة على تثبيت أسواق القمح والأرز والذرة عالمياً، كما يوضح الخوري.
ولتحقيق هذا النموذج، تحتاج المنطقة إلى إنشاء مراكز تخزين ذكية موزعة بين السعودية والإمارات وقطر وسلطنة عُمان، تعتمد على أنظمة استشعار حراري ورطوبي ومنصات ذكاء اصطناعي للتنبؤ بالطلب العالمي، بالإضافة إلى روبوتات مناولة ذاتية وأنظمة تتبع رقمية لحظية للمخزون وسلاسل التوزيع، حسب الخوري، الذي أشار إلى الإمكانية" النظرية" في سيناريو تعطل الملاحة البحرية لتحويل ما يصل إلى 90% من الواردات الحيوية إلى ممرات برية خلال أسابيع إذا تم تفعيل الاتحاد الجمركي الخليجي بصورة كاملة.
ويوضح الخوري أن الحدود في هكذا سيناريو تتحول إلى" عقد رقمية" تستخدم تقنية" بلوك تشين" لتوحيد وثائق الشحن والتخليص والعقود التأمينية في سجل موحد غير قابل للتلاعب، بينما توزع خوارزميات الذكاء الاصطناعي تدفقات النقل لحظياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك