لا شكّ أن تصفية عز الدين الحداد (أبو صهيب) تُشكّل ضربةً موجعةً لحماس، كان أحد آخر أعضاء “خلية” السنوار الصغيرة التي خطّطت لـ 7 أكتوبر وقادت العملية، وآخر قادة الألوية في الجناح العسكري للحركة الذين شغلوا هذا المنصب في بداية الحرب.
كما كان أحد مهندسي مشروع تحويل الذراع إلى “جيش”، ما تسارع مع سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007، وساهم بشكلٍ رئيسي في تطوير واستيعاب عقائد قتالية جديدة.
يُشكّل اغتياله ضربةً وظيفيةً ورمزيةً في آنٍ واحد، كونه كان قياديًا بارزًا معروفًا لدى عامة الناس.
ومع اختفائه، برز عددٌ من المرشحين لقيادة الذراع، جميعهم من أعضاء “الصفوف الخلفية” الذين ارتقوا في المراتب بسرعةٍ منذ 7 أكتوبر نتيجةً للضربة الشديدة التي تلقتها المنظمة: محمد عودة رئيس المخابرات العسكرية الذي شارك في التخطيط لـ 7 أكتوبر، ومهند رجب القائد الحالي للواء غزة؛ وعماد عقل رئيس جهاز “الجبهة الداخلية” في الذراع العسكري.
ورغم هذا الإنجاز المهم، لا ينبغي أن نتوهم، وعلينا أن نستخلص العبر من عمليات الاغتيال المروعة التي نفذتها إسرائيل منذ 7 أكتوبر: بدءًا بنصر الله، مرورًا بهنية والعاروري والسنوار والضيف، وانتهاءً بخامنئي.
في حالة منظمات “المقاومة” المتعصبة التي تقوم رؤيتها للعالم على التضحية والحملات الطويلة، تكون الضربات قاسية دائمًا، لكن لم يحدث انهيارٌ على الإطلاق في صورة تفكك تنظيمي، أو انشقاقات جماعية للناشطين، أو استنكار شعبي ضد هذه العناصر.
هذا درسٌ مهم حول طبيعة العدو وكيفية التعامل معه، وهو درسٌ لم يُفهم في 7 أكتوبر، ومن المشكوك استيعابه بعمق منذ ذلك الحين.
لقد تعلمت إسرائيل طوال أكثر من نصف قرن أن الاغتيالات إنجازٌ مهم، لكنها لا تُفضي في أي حال من الأحوال إلى نتيجة حاسمة، بل أدت في بعض الحالات إلى صعود قادة لا يقلون كفاءةً، بل ربما يفوقون، أولئك الذين تم تصفيتهم، كما كان الحال مع نصر الله، الذي خلف عباس موسوي، الذي تم تصفيته عام 1992.
وفي سياق مماثل، ثمة ارتباكٌ حاليًا بشأن نعيم قاسم، الأمين العام الحالي، الذي خلف نصر الله، الذي تم تصفيته هو الآخر.
لطالما ارتبط اسم قاسم بصورة باهتة وضعيفة، لكن منذ عملية “سهام الشمال” أواخر عام 2024، تمكن من إعادة بناء التنظيم، ومنذ بداية “زئير الأسد”، يقود حملة أطول وأكثر حزمًا مما كان متوقعًا في إسرائيل.
ولذلك، تُعدّ عمليات التصفية بالغة الأهمية، لكن لا يمكن اعتبارها “استراتيجية”.
منذ تعيين الحداد رئيسًا للذراع العسكري في منتصف عام 2025، بعد تصفية محمد السنوار، هيأ الظروف التي كان من المفترض أن تسمح لحماس بالبقاء حتى بعد تصفيته.
في الأشهر الستة التي تلت بدء وقف إطلاق النار، ركز على إعادة بناء الهيكل العسكري لحماس، بما في ذلك تعيين قادة جدد، وتجنيد أعداد كبيرة من النشطاء، وإعادة تأهيل الوحدات، فضلًا عن تعزيز آليات الحكم في حماس، وهي جهود تسمح للتنظيم بالاستمرار في لعب دور القوة المهيمنة في غزة رغم ما تلقاه من ضربات.
في غضون ذلك، يُنصح بالتخلي عن الحجج التي سُمعت منذ أول أمس، والتي مفادها أن الاغتيال سيُسهّل التقدم في مفاوضات التسوية في غزة، نظرًا لمواقف الحداد المتشددة، لا سيما فيما يتعلق بنزع السلاح.
وهذا يُردد صدى الادعاءات التي شاع سماعها خلال الحرب، والتي مفادها أن كل مسؤول رفيع المستوى يُقتل يُشكل عقبة أمام التوصل إلى اتفاق، وأن انفراجة باتت متوقعة الآن.
في الوقت الراهن على الأقل، لا مؤشرات على وجود خلاف بين قادة حماس بشأن قضية الأسلحة، ومعظم القرارات الاستراتيجية يتخذها قادة قطاع غزة الذين يُديرون عملياتهم حاليًا من قطر، وعلى رأسهم خليل الحية.
في اليوم التالي للاغتيال، تعود إسرائيل إلى معضلة غزة المعقدة.
فمن جهة، يُسيطر الجيش الإسرائيلي على أكثر من نصف قطاع غزة، ويمنع حماس من تهريب الأسلحة (عبر السيطرة على محور فيلادلفيا)، ويواصل إلحاق الضرر بالحركة.
مع ذلك، لا تلوح في الأفق أي بوادر لتغيير جذري في واقع قطاع غزة.
وكما ذُكر، فرغم جمود المفاوضات بشأن تسوية الأزمة في المنطقة، لا تُبدي حماس أي مرونة في موقفها من نزع السلاح، وهي في أحسن الأحوال مستعدة للتخلي عن بعض أسلحتها (وخاصةً ما يُصنف على أنه “أسلحة ثقيلة”).
تتخذ إسرائيل العديد من “الجولات” لكنها تعود في النهاية إلى المفترق الاستراتيجي نفسه، حيث لا يوجد سوى خيارات سيئة، وعليها أن تختار أهون الشرور.
ربما يستمر الوضع الراهن، على أمل ألا ينشأ أي ضغط خارجي (بما في ذلك من ترامب)؛ من الممكن اللجوء إلى احتلال غزة بالكامل والبقاء في المنطقة لفترة طويلة، لكن هذا مشروط بموافقة أمريكية (وهي غير مؤكدة في ظل استمرار المشاكل مع إيران ولبنان)، ويتطلب حشد الرأي العام المنهك الذي يزداد تشككاً في شعار النصر المطلق، فضلاً عن تفسير التكلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الباهظة المترتبة على مثل هذا القرار.
ومن الممكن تعزيز نظام خالٍ من الأوهام قائم على حكومة تكنوقراطية في غزة، في حين أن حماس ضعيفة لكنها لم تختفِ، ومن الضروري مواصلة العمل ضدها وضمان عدم سيطرتها على فيلادلفيا، مع العمل في الوقت نفسه على خطة للقضاء عليها مستقبلاً.
وتواجه إسرائيل معضلات مماثلة على الساحتين اللبنانية والإيرانية، حيث يتضح أيضاً أن الأعداء لا يُقضى عليهم، وأن المعارك الخاطفة تحولت إلى حروب استنزاف، وتبرز الحاجة إلى “فعل سياسي” ينهي الحكاية.
من المرجح أن يكون اليوم التالي للحداد مشابهاً لليوم الذي سبقه، وكذلك المعضلات الاستراتيجية والبدائل التي تواجه إسرائيل.
ما يجب تغييره هو التصورات الأساسية، المشبعة بالأوهام، عن الواقع والتي تسببت بالفعل في أضرار جسيمة بعد 7 أكتوبر، لا سيما في غزة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك