وعد الاقتصاد الرقمي بمستقبل حر من الجغرافيا والمواد الخام والقيود الثقيلة للصناعة.
لكن الذكاء الاصطناعي يجر الاقتصاد إلى الوراء، فيطلب كميات هائلة من الكهرباء والمعادن وأنظمة التبريد والبنية التحتية الصناعية مرة أخرى.
بلغة الخوارزميات والسحابة، هل سيتقدم الذكاء الاصطناعي بآلاته ويعيد كل ما سواه إلى العصر الحجري؟كنا نعتقد لثلاثة عقود أن اقتصاد المستقبل يعتمد على إعادة تدوير المادة مما يجعل اقتصاد المستقبل مستقلا عنها.
بدت البرمجيات قادرة على تجاوز الجغرافيا بمنصات عابرة للقارات.
كما روج عصر الإنترنت للثروة التي تعتمد على الشبكات الافتراضية والرسائل المشفرة بدل تنقيب المعادن والخدمات اللوجستية والقدرة الصناعية.
كان يبدو المستقبل أقل عبئا خصوصا عندما تحمس الجميع لموجة السحابة.
وراء مجاز السحابة والبرمجيات الشفافة تمركز الذكاء الاصطناعي امتدادا لهذا التصور المثالي، إنما بنزوله في ميدان التطبيق تكشفت الحقيقة.
بدت التقنية أول الأمر مستقلة جغرافيا، حيث تمتد العولمة بغطاء التجارة العالمية عبر القارات، لكنها مع الذكاء الاصطناعي تراجعت مشدودة لمراكز الطاقة العالمية.
نعم، الجغرافيا تمسك بخيوط اللعبة من جديد، حيث تتوزع الحوسبة جغرافيا بتأثير من الموارد اللازمة لتشغيلها.
تبعا للجغرافيا، يصعد الذكاء الاصطناعي متكئا على القوة المركزية للدولة.
كانت حركة الاقتصاد متجهة لتعزيز سلطة المنصات والشبكات وشركات التقنية والاتصالات.
لكن حجم الاستثمار الذي يتطلبه الذكاء الاصطناعي لتأسيس البنية التحتية يعيد للدولة مركزيتها.
رأس المال الخاص لا يكفي وحده ولن يحمل نمو السوق الأعباء بمفرده أيضا.
تعتمد أشباه الموصلات المتقدمة والبنية التحتية للطاقة والشبكات الكهربائية والمعادن النادرة والكابلات تحت سطح البحر وسلاسل التوريد الإستراتيجية على أشكال من التنسيق اللوجستي تعجز عنه الشركات ولا تستطيعها إلا الدول.
مع اشتداد المنافسة على الذكاء الاصطناعي، تعود الحكومات إلى مركز التنمية التقنية بالسياسات الصناعية وضوابط التصدير والإعانات والاستثمار السيادي واستراتيجية الأمن القومي.
لذلك لا يمثل عصر الذكاء الاصطناعي صعودا للآلات الذكية فقط، بل عودة لقوة الدولة المركزية أيضا.
يعيدنا الذكاء الاصطناعي لما نسينا، وهو أن نمو الاقتصاد الرقمي محدود بالموارد عكس ما كان يوحي به الإنترنت.
كان عصر الإنترنت في بدايته يعطي انطباعا أن ثورة المعلومات تتوسع بلا نهاية بتكلفة صفرية تقريبا، مما جعلنا نطلق مصطلح الاقتصاد الرقمي كما لو كان مستقلا عن الاقتصاد الصناعي.
هكذا تصورنا الاقتصاد الصناعي عصرا قديما يمثل عصرا حجريا جديدا داخل العصر الحديث.
ذلك العصر الذي يعتمد الندرة والمقيد بالموارد الطبيعية أمام الاقتصاد الرقمي المبني على الوفرة والسرعة منفكا من القيود المادية.
في خضم المنافسة ونحن ننظر في الاقتصاد الرقمي نراه يشبه عصرا قديما ما قبل الصناعة، إنه عصر الموارد الشحيحة والمنافسة الشرسة عليها.
تهدد هذه المنافسة بجرنا إلى ما يمكن أن نسميه مجازا بالعصر الحجري.
فهل يكون التقدم جسر الرجوع إلى البربرية حقا كما يقول درويش؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك