تكشف صحف النظام الإيراني الصادرة صباح 18 مايو/أيار 2026 أن الصراعات الداخلية بين أجنحة الحكم لم تهدأ بعد انتهاء الحرب الأخيرة، بل دخلت مرحلة جديدة أكثر تعقيداً عنوانها الأساسي: من يدير مرحلة ما بعد الحرب؟ وكيف يمكن احتواء التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي خلّفتها المواجهة؟ فبينما تحاول بعض التيارات الدفع نحو إعادة ترتيب الأولويات واحتواء الضغوط، يتمسك جناح آخر بخطاب التشدد ورفض أي مراجعة، ما يعكس عمق التباينات داخل بنية النظام.
أبرز ما يظهر في الصحف هو وجود محاولة واضحة لـ”ترميم الشقوق الداخلية” ومنع انتقال الخلافات إلى أزمة سياسية علنية.
فقد تناولت “صحيفة آرمان ملي” الوضع الداخلي من زاوية اعتبرتها “منعطفاً تاريخياً”، مشيرة إلى أن البلاد تقف أمام لحظة تحتاج إلى “إعادة تقييم” في طريقة إدارة الملفات الداخلية والخارجية.
وعلى الرغم من اللغة الحذرة، فإن المادة حملت انتقاداً ضمنياً لمسار السنوات الماضية، وخاصة ما يتعلق بإدارة الاقتصاد والعلاقة مع الخارج، والتكلفة المرتفعة للمواجهات المستمرة.
وفي المقابل، تواصل الصحف القريبة من التيار المتشدد محاولة تثبيت رواية تعتبر أن الحرب الأخيرة أثبتت “صلابة النظام” وأن أي دعوات للمراجعة السياسية أو تخفيف التوتر قد تُفهم باعتبارها تراجعاً أمام الضغوط الخارجية.
“صحيفة جوان” ركزت في موادها على “سلوك ترامب في حرب رمضان” وعلى فكرة أن الولايات المتحدة لم تحقق أهدافها، في محاولة واضحة لتقديم صورة انتصار سياسي ومعنوي، حتى في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والاحتقان الداخلي.
لكن خلف هذا الخطاب، تبدو الصحف نفسها قلقة من تداعيات المرحلة المقبلة.
فـ”صحيفة دنیای اقتصاد” تحدثت عن “مصائب الاتفاق الجيد” و”فخ التبسيط الخطي للمفاوضات”، في إشارة إلى انقسام داخلي حول كيفية التعامل مع الخارج: هل الأولوية لاستمرار المواجهة والاعتماد على أوراق الردع مثل هرمز، أم للبحث عن تفاهمات تقلل من الضغط الاقتصادي؟ هذه اللغة تعكس بوضوح وجود تيارين داخل النظام: أحدهما يخشى الانهيار الاقتصادي والاجتماعي ويدفع نحو براغماتية أكبر، وآخر يعتبر أي مرونة سياسية مقدمة لتآكل سلطة النظام.
“الخوف من الداخل… القاسم المشترك”ورغم اختلاف المواقف، يبدو أن جميع الأجنحة تتفق على نقطة مركزية واحدة: الخوف من الداخل الإيراني.
فالحرب الأخيرة لم تؤدِّ فقط إلى أعباء مالية وأمنية، بل عمّقت أيضاً أزمات كانت قائمة أصلاً: تضخم مرتفع، تراجع القدرة الشرائية، أزمات الكهرباء، نقص الدواء، واستمرار أزمة الإنترنت.
وهو ما جعل الصحف نفسها تتحدث بصورة غير مباشرة عن “احتقان اجتماعي” يصعب تجاهله.
وتكشف لغة بعض المواد المنشورة أن جزءاً من الخلافات الداخلية لا يتعلق فقط بالسياسة الخارجية، بل بمحاولة كل جناح تجنب تحمّل مسؤولية الوضع الراهن أمام الرأي العام.
فالإصلاحيون أو البراغماتيون يحمّلون المتشددين مسؤولية تعميق العزلة والعقوبات، فيما يرد التيار الأمني باتهام خصومه بالسذاجة السياسية والرغبة في تقديم تنازلات مجانية.
وفي الوقت ذاته، برزت داخل الصحف محاولات واضحة لإعادة إنتاج خطاب “الوحدة الوطنية” وترميم صورة التماسك الداخلي، عبر التركيز على ضرورة تجاوز الانقسامات بعد الحرب.
غير أن هذه الدعوات نفسها تكشف ضمناً حجم القلق من اتساع الفجوة داخل بنية النظام، خصوصاً مع تزايد الضغوط المعيشية وتراجع الثقة الشعبية.
كما أن تصاعد الحديث عن الأمن الداخلي والرقابة، واستمرار القيود المفروضة على الإنترنت، يعكس إدراكاً داخل النظام بأن الأزمة الأساسية لم تعد فقط في كيفية مواجهة الخارج، بل في كيفية منع انتقال الغضب الاجتماعي إلى الشارع.
فالتجارب السابقة أثبتت أن الأزمات الاقتصادية في إيران تتحول سريعاً إلى احتجاجات سياسية تستهدف رأس النظام نفسه.
الخلاصة أن صحف صباح 18 مايو/أيار ترسم صورة نظام يحاول احتواء شقوقه الداخلية أكثر من احتفاله بنتائج الحرب.
فبين جناح يدفع نحو مراجعة سياسية محدودة لتخفيف الضغوط، وآخر يتمسك بالتشدد باعتباره ضمانة للبقاء، يبقى العامل الحاسم هو الخوف المشترك من مجتمع يزداد فقراً واحتقاناً.
ولذلك، فإن معركة النظام الحقيقية في مرحلة ما بعد الحرب قد لا تكون مع واشنطن أو الغرب، بل مع أزماته الداخلية المتراكمة وكيفية منعها من التحول إلى انفجار سياسي واجتماعي واسع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك