يسود صمت مطبق في أوساط المسؤولين الإسرائيليين، إزاء ما كشفته صحيفة ذا غارديان البريطانية، أخيراً، من تفاصيل عملية سرّية استمرت نحو عشرة أشهر، نفّذتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، التابعة للأمم المتحدة، إنقاذاً لملايين الوثائق الأرشيفية التي تؤرخ لتجربة اللجوء الفلسطيني منذ نكبة عام 1948، ونقلها من مقرّيها في مدينتي غزة والقدس المحتلة إلى عمّان تحسباً لمصادرتها أو إتلافها من الاحتلال الإسرائيلي.
كما كان غريباً عدم تسليط الضوء على القضية في وسائل الإعلام العبرية رغم مرور أيام على نشر الصحيفة تقريرها.
مهمة أونروا في ظلّ الحرب عليهاتحقق العملية، من دون معرفة سلطات الاحتلال الإسرائيلي، رغم أنّها تسيطر على قطاع غزة، والداخل إليه والخارج منه، كما أشار إليه تقرير الصحيفة، الذي نشر في 14 مايو/ أيار الحالي، يتيح القول إن تمكّن" أونروا" من تهريب وثائق تخص اللاجئين الفلسطينيين من الأراضي الفلسطينية المحتلة وحرمان إسرائيل من فرصة السيطرة عليه مع كل المخاطر التي يمكن أن تترتب على ذلك، يعني عملياً أن إسرائيل تلقت ضربة، فالوثائق المذكورة شاهد على النكبة التي تحارب إسرائيل شواهدها وكل دليل عليها منذ عام 1948، كما تعزّز الرواية الفلسطينية، في المعركة على الوعي والرواية وحق العودة، وتشكل دليلاً تاريخياً ومادياً وقانونياً بالنسبة لللاجئين الفلسطينيين وعموم القضية الفلسطينية.
الوثائق شاهد على النكبة التي تحارب إسرائيل شواهدها وكل دليل عليها منذ 1948وجاء نجاح" أونروا" في إخراج الوثائق وتأمينها، بحسب التفاصيل التي ذكرتها صحيفة ذا غارديان وانخرط في العملية السرية عشرات من موظفي الوكالة في أربع دول على الأقل، في ظل حرب شرسة تواصل دولة الاحتلال شنّها على المنظمة، بعد استهدافها في غزة، ومصادرة مبانيها وأراضيها في القدس المحتلة أيضاً، بعد إخراجها عن القانون وإغلاق مقرّاتها، والمساعي الإسرائيلية لنزع شرعيتها حول العالم وتجميد دعمها.
وإن كانت إسرائيل صعّدت هجمتها على المنظمة بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وسنّت قوانين ضدها، وتطاول من يتعامل معها، إلا أن الحرب الإسرائيلية على الوكالة، بدأت منذ عقود طويلة، ذلك أن المؤسستان الإسرائيليتان، الأمنية والسياسية، تعارضان أنشطة" أونروا" منذ نشأتها عام 1949، وتراها عاملاً يحافظ على قضية اللجوء واللاجئين عبر الأجيال، ما يمنع اندماج اللاجئين في المجتمعات والدول التي يعيشون فيها، وبالتالي تكريس" حق العودة"، كما ذهبت لاتهامها بالإرهاب ومشاركة موظفيها في هجوم السابع من أكتوبر.
ومن مظاهر الانتقام الإسرائيلية، أقرت حكومة الاحتلال، أول من أمس الأحد، إقامة مجمّع تابع لوزارة الأمن على أنقاض مقر المنظمة، في حي الشيخ جرّاح في القدس المحتلة، كما ستقيم في المكان متحفاً للجيش الإسرائيلي، ومكتب تجنيد، ومكتباً لوزير الأمن.
وتحمل هذه الخطوة دلالة رمزية، وربما استراتيجية، من خلال استبدال مؤسسة دولية تمثل رواية اللجوء الفلسطيني في قلب القدس، ببناء إسرائيلي أمني وسيادي.
وقال وزير الأمن يسرائيل كاتس، إن القرار" يتعلق بالسيادة والصهيونية والأمن"، واصفاً وكالة أونروا بأنها" منظمة داعمة للإرهاب".
كما سبق أن وجد الطموح الإسرائيلي طويل الأمد لتصفية" أونروا" ومحاولة استبدالها آذاناً صاغية من الإدارة الأميركية، خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة (2017 – 2021)، ما أدّى في عام 2018 إلى قطع التمويل الأميركي عن المنظمة.
وانصبّ ذلك كله في الاتجاه نفسه بالأساس، أي تصفية القضية الفلسطينية، بطرق عدة، منها تفكيك الوكالة المرتبطة بقضية اللجوء، فضلاً عن التوسع الاستيطاني المتصاعد، خصوصاً منذ بداية عهد حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، وبمباركة أميركية، عبّر عنها مراراً السفير الأميركي في القدس المحتلة مايك هاكابي، وإن حاولت الإدارة الأميركية أحياناً أن تبدي في العلن مواقف أكثر تحفظاً.
وكان ترامب خلال ولايته الأولى، قد أقدم على اتخاذ خطوات عدة وفرضها، بهدف تصفية القضية الفلسطينية، من بينها تقليص تمويل" أونروا".
ولم تتردد الخارجية الأميركية في 2018 في تبرير الخطوة بالقول إنّ" الولايات المتحدة لن تُقدّم مزيداً من الأموال لهذه الوكالة المنحازة بشكل لا يمكن إصلاحه"، متهمةً أونروا بأنها تزيد" إلى ما لا نهاية وبصورة مضخّمة" أعداد الفلسطينيين الذين ينطبق عليهم وضع اللاجئ، وذهبت بعض الأصوات الأميركية في الكونغرس إلى المطالبة بإعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني، بما يتيح إسقاط حق العودة.
وبالعودة الى قضية الوثائق تحديداً، والشهادات التي نقلتها" ذا غارديان"، فإن إسرائيل لم تكن على علم مسبق بالعملية، إذ إن عنصر المفاجأة والجرأة في التخطيط لنقل الوثائق، شكّل أحد أبرز عوامل نجاحها، ذلك أنه من الصعب التسليم بفرضية أن إسرائيل علمت وغضّت الطرف، أو أنها نسّقت مع جهات أخرى، وآثرت السكوت بسبب حسابات داخلية، إلا إن كانت الوثائق ليست سرية، ولا تفضح ممارساتها وانتهاكاتها منذ النكبة المستمرة، وهذا مستبعد، إذ سبق أن أخفت وثائق عدة عقوداً، أو كُشف بعضها بالصدفة.
كما يرتبط جزءٌ من الصعوبات في تصديق فرضية أي علم إسرائيلي مسبق، بأن المعركة على الرواية في أوجها، وتحاول إسرائيل إخفاء كل ما يمكن أن يدينها، أمام المجتمع الدولي أيضاً، خصوصاً بعد حرب الإبادة على قطاع غزة.
كما تجاهر إسرائيل بتهجير قرى فلسطينية بأكملها وتدميرها، وعليه فإن من يحاول محو أي ذكر للوجود الفلسطيني أو ما يمكن أن يشهد عليه وأنه صاحب الأرض والبلاد، يصعب تصديق سماحه بخروج الوثائق.
عنصر المفاجأة والجرأة في التخطيط لنقل الوثائق، شكّل أحد أبرز عوامل نجاحهاوتبدو" أونروا" قد اكتفت بالإنجاز الذي تحقق بوصفه المهمة الأساسية التي تريدها بعيداً عن أي استعراض، إذ بخلاف سام روز، المدير بالإنابة لشؤون الوكالة في غزة في حديثه لـ" ذا غارديان"، لم يصدر أي تعليق، فيما قال المستشار الإعلامي للوكالة، عدنان أبو حسنة، لـ" العربي الجديد"، يوم الأحد الماضي، إن حماية سجلات تسجيل اللاجئين تُعتبر مسؤولية أساسية في عمل الوكالة، موضحاً أن هذا" تحقق في غزّة بفضل شجاعة موظفي أونروا وتفانيهم على أرض الواقع، وهما الشجاعة والتفاني نفسهما اللذان يُظهرونهما يومياً، وهم يواصلون تقديم خدمات عامة حيوية في بيئة بالغة الصعوبة".
وفيما لم يتطرق أبو حسنة إلى ما نشرته" ذا غارديان" في 14 مايو، قال إنه من خلال هذا العمل، أي حماية السجلات، " يُبرهن موظفو أونروا على التزامهم الراسخ بالولاية الموكلة إلى الوكالة من الجمعية العامة للأمم المتحدة".
وشدّد المستشار الإعلامي للوكالة على أنه" يُعتبر تسجيل اللاجئين محوراً أساسياً لهذه الولاية، إذ يضمن التسجيل المنهجي للمواليد والزواج والوفيات وغيرها من الأحداث الشخصية المهمة في مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين".
ولفت إلى أن" أونروا" قامت" برقمنة هذه السجلات.
ومع ذلك، نُركّز على الحفاظ على السجلات الأصلية بوصفه جزءاً من تنفيذ ولاية الوكالة".
وذكّر بأن" أونروا تأسّست في عام 1949، وتُقدّم الخدمات العامة والحماية للاجئين الفلسطينيين المُسجّلين في مناطق عملياتها: الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، والأردن، ولبنان، وسورية".
وخلص إلى أن" الحفاظ على هذه المحفوظات ليس مجرد مسألة مسؤولية مؤسّسية فحسب؛ بل هو جزء من التاريخ الفلسطيني، وعلى هذا النحو فهو ذو أهمية عالمية".
وكانت" ذا غارديان" البريطانية كشفت في 14 مايو الحالي عن تفاصيل عملية سرّية استمرّت نحو عشرة أشهر، نفّذتها وكالة أونروا، بهدف إنقاذ ملايين الوثائق الأرشيفية التي تؤرخ لتجربة اللجوء الفلسطيني منذ نكبة عام 1948، ونقلها من مقرّيها في مدينتي غزة والقدس المحتلة إلى عمّان، وسط مخاوف جدية من أن يصادرها الاحتلال أو يتلفها.
وذكرت الصحيفة، في تقرير مطول، أن العملية انخرط فيها عشرات من موظفي الوكالة في أربع دول على الأقل، وتضمّنت رحلات محفوفة بالمخاطر لإخراج الوثائق من تحت القصف، فضلاً عن نقل مظاريف غير مُعلّمة إلى مصر، وشحن صناديق على متن طائرات عسكرية أردنية.
وأوضحت" ذا غارديان" أن الأرشيف يضمّ بطاقات التسجيل الأصلية للاجئين الفلسطينيين الذين لجؤوا إلى قطاع غزة عام 1948، إلى جانب شهادات ميلاد وزواج ووفاة تعود لأجيال متعاقبة، وهي وثائق قد تتيح للفلسطينيين الذين هجّر أسلافهم تتبّع أصولهم في الداخل المحتل.
ونقلت الصحيفة عن روجر هيرن، المسؤول البارز في" أونروا" الذي أشرف على العملية، قوله إنّ" تدمير هذه الوثائق كان سيشكّل كارثة.
وإذا كان ثمّة حلّ عادل ودائم لهذا الصراع يوماً ما، فإن هذا هو الدليل الوحيد الذي يمكن للناس استخدامه لإثبات أنه كان هناك فلسطينيون يعيشون في مكان ما".
ووصف جان ـ بيير فيليو، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في معهد العلوم السياسية بباريس، الوثائق، بأنها" محورية في التجربة الفلسطينية"، مشيراً، بحسب" ذا غارديان"، إلى أنها تتضمن" شهادات حول كيفية إجبار الناس على الفرار عام 1948، ومن أين جاؤوا، وأين كانت ممتلكاتهم، وما الذي دُمّر"، مذكّراً بأن نحو 200 ألف فلسطيني وصلوا إلى غزة بين عامي 1948 و1949 قادمين من مختلف أنحاء فلسطين.
وأفادت الصحيفة بأن المرحلة الأولى من العملية كانت الأكثر خطورة، إذ أمرت إسرائيل، بعد أيام قليلة من بدء اجتياحها قطاع غزة، بإخلاء مكاتب" أونروا" في مدينة غزة، فغادر الموظفون الدوليون خلال ساعات من دون أن يتمكّنوا من نقل الأرشيف.
وقال سام روز، المدير بالإنابة لشؤون أونروا في غزة، لـ" ذا غارديان": " كان هناك خطر حقيقي بأن يقتحم الإسرائيليون المكان ويدمروا الوثائق، أو أن تدمر في حريق أو انفجار".
وأضاف هيرن أن" أونروا" تعرّضت في تلك الفترة لـ" هجمات سيبرانية كثيرة جداً يومياً"، وكانت ثمة خشية حقيقية من فقدان النسخ الأصلية والرقمية معاً.
ووفق الصحيفة، تمكن فريق صغير من موظفي الوكالة من العودة إلى مجمع" أونروا" في مدينة غزة على متن شاحنات صغيرة مُستأجرة، تحت وطأة القصف المتواصل، ونفذ ثلاث رحلات لنقل الوثائق جنوباً إلى مستودع للأغذية في رفح على الحدود مع مصر.
غير أن القاهرة، بحسب الصحيفة، لم تكن لتسمح بإخراج الأرشيف من غزة من دون التشاور مع إسرائيل، فيما كان مسؤولو" أونروا" على يقين من أن تل أبيب ستدرك على الفور أهمية هذه الوثائق وستصادرها أو تمنع مرورها، مستحضرين سابقة في عام 1982 حين استولى الجيش الإسرائيلي على أرشيف منظمة التحرير الفلسطينية من مكاتبها في بيروت إثر الاجتياح.
وأمام هذا المأزق، أسندت المهمة إلى موظفين يحملون جوازات سفر دولية لإخراج الوثائق من دون لفت الأنظار.
ونقلت" ذا غارديان" عن روز قوله: " إن أوقف أحد على المعبر، كان يكتفي بالقول إنه يحمل أوراقاً.
كانت هناك جبال من الوثائق يجب إخراجها.
الجميع كان يحمل شيئاً".
ولفتت الصحيفة إلى أن الوثائق جمعت في مصر على مدى ستة أشهر، ثم نُقلت إلى عمّان بواسطة جمعية خيرية أردنية استخدمت طائرات سلاح الجوّ الملكي الأردني في رحلات عودتها بعد إيصال المساعدات إلى غزة، مشيرةً إلى أنّ الشحنة الأخيرة خرجت قبل أسبوعين فقط من اجتياح الدبابات الإسرائيلية لرفح في مايو 2024، ما أغلق الطريق نهائياً.
في موازاة هذا، كانت هناك مجموعة لا تقل أهمية من الوثائق في مجمع" أونروا" في القدس المحتلة.
وأوضحت" ذا غارديان" أن المجمع تعرض، منذ مطلع 2024، لاحتجاجات وسلسلة من هجمات الحرق المتعمد التي ألحقت أضراراً واسعة، في ظل تصاعد الحملة الإسرائيلية لطرد الوكالة.
وبعد فشل المساعي لإقناع بعثات دبلوماسية صديقة بتخزين الأرشيف، نقلت هذه الوثائق أيضاً، عبر موظفين، بصورة سرية على مدى أشهر، إلى مكاتب الوكالة في الأردن.
وفي يناير/كانون الثاني 2025، دخلت حيز التنفيذ قوانين إسرائيلية جديدة تحظر عمل الوكالة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأوضحت الصحيفة إلى أن أكثر من 50 موظفاً يعملون في قبو ضيق في عمّان، بتمويل أساسي من لوكسمبورغ، لرقمنة بطاقات تسجيل اللاجئين الأصلية وملايين الوثائق الأخرى يدوياً.
وقد جرت رقمنة نحو 30 مليون وثيقة، فيما تهدف" أونروا" إلى تزويد كل لاجئ فلسطيني بشجرة عائلته والوثائق المؤيّدة لها، إلى جانب إنتاج خرائط لأنماط التهجير عام 1948، في مهمّة قد تستغرق عامين إضافيين.
وقال فيليو للصحيفة: " الوثائق اليوم أصبحت خارج فلسطين، لكن على الأقل، إنها محمية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك