في ديسمبر/كانون الأول 2025 أعلنت قطر اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، مشروع انطلق عام 2013 تحت إشراف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وحظي برعاية أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
والاكتمال بهذا المعنى يعني الوصول إلى أكثر من ثلاثمئة ألف مدخل معجمي، ونحو عشرة آلاف جذر لغوي، إلى جانب مدونة نصية رقمية تتجاوز مليار كلمة، وببليوغرافيا تضم أكثر من عشرة آلاف مصدر.
هذه المرحلة الكبرى التي أعقبت أكثر من ثلاثة عشر عاماً من البحث والتجريب والتوثيق، استدعت إقامة ندوة" معجم الدوحة التاريخي للغة العربية: بين الاكتمال والآفاق المستقبلية" مساء أمس الاثنين ضمن الفعاليات المصاحبة للدورة الخامسة والثلاثين من معرض الدوحة للكتاب.
أربعة من صنّاع المعجم تحدثوا عن المسيرة ومفهوم الاكتمال خصوصاً أننا أمام معجم تاريخي يتأسس لأول مرة في التاريخ العربي، وعمّا ينتظر هذا المشروع في مرحلته المقبلة.
أدار الجلسة محمد الخطيب، رئيس وحدة الدراسات والأبحاث في المعجم.
وشارك فيها محمد العبيدي، المدير التنفيذي للمعجم، و حسين الزراعي، الخبير اللغوي الأول في المعجم، ومحمد محجوب، الباحث اللساني الموريتاني.
تقديم خدمات جديدة في مجالات النظائر السامية والنقوشمحمد العبيدي افتتح الحديث بالتأكيد أن المعجم التاريخي بطبيعته لا يكتمل، فهو لا يقتصر على إيراد المعنى كما تفعل المعاجم التقليدية، وإنما يبحث عن الجذر الاستعمالي للفظ ويستخلص معناه من السياق، ويتتبع نظائره في اللغات السامية والأجنبية، ويرسم سيرة دلالية كاملة تبدأ من أول مستعمل موثق وأول مصدر مكتوب.
وأشار إلى أن المعاجم التاريخية تمثل مرحلة فاصلة في تاريخ أي أمة، مستشهداً بمعجم أكسفورد الذي انطلق العمل فيه عام 1857 واستمر نحو سبعين عاماً قبل أن يتحول إلى نسخة رقمية عام 2000، لأن هذا النوع من المعاجم يتجدد باستمرار ولا يصلح أن يبقى ورقياً على حد قوله.
والأمر ذاته ينطبق على المعجم التاريخي الألماني، وهو الأقدم، الذي تحول أيضاً إلى الصيغة الرقمية، وعلى المعجم الفرنسي الذي بدأ إبان الحرب العالمية الثانية واستمر العمل فيه حتى عام 1994.
في هذا السياق، قال العبيدي إن معجم الدوحة أنجز في فترة قياسية مقارنة بنظرائه.
وكشف أنه بعد إعلان الاكتمال اختير عدد من الخبراء لمواصلة العمل في مسارين: الأول هو التنقيح والتصويب والاستدراك، والثاني هو إضافة مفردات لم تُدرج بعد، مع الإفادة من ملاحظات القراء الذين يتفاعلون عبر البوابة الإلكترونية حين يقرأون المادة المعجمية ويرسلون تعليقاتهم على ما يرونه مشكلاً أو ناقصاً.
وعلى صعيد التطوير التقني، أشار إلى أن المعجم يحتوي على ثروة هائلة يمكن توظيفها في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي العربية، وأنه يعمل على تقديم خدمات جديدة في مجالات النظائر السامية والنقوش، وربما يصدر قريباً قارئ آلي للمكفوفين إلى جانب قارئ عادي، فضلاً عن توظيف الذكاء الاصطناعي في مجيب آلي يستقي إجاباته من مادة المعجم مباشرة.
وختم بالحديث عن مرحلة الاستثمار، قائلاً إن المعجم وُلد وصُرفت عليه أموال ليكون مشروع الأمة لا مشروع مؤسسة واحدة، وإن المرحلة الراهنة تقوم على عقد شراكات مع الوزارات والجامعات المحلية لاستثماره في خدمة الطلبة والباحثين والإعلاميين، على أن تتوسع لاحقاً إلى شراكات عربية وعالمية.
رصد المعجم المصطلحات في موضوعات المعرفة والفنون المختلفةأما حسين الزراعي فتناول التعريف المعجمي وعدّه أهم جزء في عمل المعجم، لأنه يساعد المهتمين على التعرف على منهجية العمل ويمكّن الباحث عند كل عملية بحث من الاطلاع على تاريخ اللفظ ومعناه.
وأوضح أن التعريف في معجم يمتد على مدى عشرين قرناً يكشف كيف تتغير معاني الكلمات وتتكون دلالات جديدة عبر الزمن.
فكلمة" النظام" مثلاً بدأت بمعنى بسيط ثم انتقلت إلى معانٍ متعددة كالنظام الدولي والنظام المحاسبي، وهذا ليس مجرد انتقال تاريخي في اللفظ وإنما هو انعكاس لتحول بنية ثقافية بأكملها من زمن إلى زمن.
وضرب مثلاً آخر بكلمة" السيارة" التي كانت تعني جماعة الناس السائرين ثم صارت تدل على الآلة، وفي هذا التحول دليل على رقي الإنسان وتطور أدوات حياته.
وتحدث الزراعي عن معاناة الخبراء اللغويين في التقاط المعاني، فاللفظ الواحد قد يتردد مئات المرات في المدونة النصية، وتمييز معانيه المتعددة ينطوي على خطورة كبيرة: إذا اختار الخبير المعنى الصواب نجح المدخل المعجمي، وإذا وقع في المعنى الخطأ وقع المعجم في مشكلة.
وضرب مثلاً بكلمة" كتب" التي ترد في نصوص قديمة بمعنى الأحكام والفرائض لا بمعنى الكتاب المطبوع، بينما يستعملها بعضهم في سياقات محل بيع الكتب فيعلق آية" فيها كتب قيمة"، فيلتبس المعنى على من لا يدقق في السياق.
وتناول محمد محجوب السؤال المحوري حول تعامل المعجم مع المصطلح: هل عامله كلفظ معجمي عادي أم جزءاً من بنية معرفية متكاملة؟ فعامة الناس يتواصلون بالألفاظ العامة، لكن العلماء والخبراء وذوي الاختصاص يتواصلون بالمصطلحات، وهي غاية في الأهمية لأنها تمثل المعابر التي تسلكها الألفاظ للتعبير عن المضامين الفكرية.
وقد رصد معجم الدوحة المصطلحات في موضوعات المعرفة والفنون المختلفة، من العلوم الشرعية والأديان واللغات والآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، إلى العلوم البحتة كالفيزياء والجيولوجيا والطب، ومن الفلسفة والاقتصاد إلى سائر الحقول.
وأوضح محجوب أن المصطلح في المعجم وحدة معجمية تدل على مفهوم معين داخل حقل معرفي محدد، وأن له سمتين جوهريتين: أنه يدل على مفهوم يختلف عن المعنى اللغوي العام، وأن لهذا المفهوم حمولة فكرية وحضارية لا يمكن تجاهلها.
ولذلك فإن فريق العمل لم يكن يرصد المصطلحات رصداً لفظياً، وإنما كان ينظر إلى كل مصطلح كقرينة على الوعي العلمي في عصره، ويتتبع كيف تفاعل داخل سياقه باعتباره وثيقة معرفية وثقافية تكشف طرق الفهم والتفكير.
وأشار إلى مشكلة الإسقاط، أي حين يُسقط معنى حديث على لفظ قديم فيُفهم على غير مراد صاحبه، وهي مشكلة شائعة حين يُعرّف المصطلح بدلالته المعاصرة دون مراعاة سياقه التاريخي.
واستشهد بكلمة" التزمّت" التي لا تكاد تُفهم اليوم إلا بمعنى الجمود والتشدد، بينما معناها القديم هو الوقار والثبات، ومنه قول العرب في وصف النبي إنه كان من أفكه الناس في بيته ومن أزمتهم خارجاً.
ولمواجهة هذا الإشكال وضع فريق المعجم ضوابط صارمة تتوجه إلى الشاهد الذي ورد فيه المصطلح والحقل المعرفي الذي ينتمي إليه، فالتعريف لا يُصاغ من خارج النص وإنما يُستخلص من الشواهد ذاتها ويُبنى انطلاقاً منها، حتى يبقى وثيق الصلة بسياقه الزمني والمعرفي.
وبهذا المعنى فإن معجم الدوحة معجم معياري يُتحاكم إليه لا معجم وصفي يكتفي بتسجيل ما هو شائع.
الأسئلة التي طرحت أثناء الندوة تتصل بصميم هذا الانتقال من الاكتمال إلى الآفاق: كيف يمكن توظيف المدونة الرقمية الهائلة التي أنتجها المعجم في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي العربية؟ وكيف يتحول من مرجع أكاديمي إلى أداة حية في التعليم والإعلام والتشريع؟ وما الذي يعنيه وجود معجم تاريخي بهذا الحجم لمستقبل الدراسات اللسانية العربية وللعلاقة بين العربية ولغات العالم الكبرى؟كل ذاك بدأ يقطع طريقاً قياسياً ولقي المعجم صدى عالمياً، كما قال المدير التنفيذي.
فثمة جامعات مثل ميشيغان وواشنطن وجورج تاون أضافت المعجم إلى مصادرها المرجعية، مشيراً في السياق إلى أن ربط معجم الدوحة بالمناهج التعليمية غاية استراتيجية ليشع معجمنا على العالم بما يحمله من إرث عربي وإسلامي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك