بين غزة وباريس، ينسج الفنان التشكيلي الفلسطيني تيسير البطنيجي تجربة فنية خاصة جعلت من العمل الفني مساحة للتأمل في الغياب والذاكرة والمنفى، بعيدًا عن المشاهد المباشرة للحرب والدمار.
ويُعد البطنيجي، المولود في غزة عام 1966، واحدًا من أبرز الأسماء الفلسطينية في الفن المعاصر، إذ يقيم ويعمل في باريس، بينما تُعرض أعماله في متاحف وصالات عرض كبرى في أوروبا وخارجها.
ويعتمد في أعماله على الرسم والتصوير الفوتوغرافي والتركيب والفيديو والفن الأدائي، مستندًا إلى تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة التي تختزن آثار الحصار والمنفى والفقد.
تيسير البطنيجي.
الفن كمساحة للغياب والذاكرةتحمل أعمال البطنيجي عناوين ودلالات تعكس عالمه الفني القائم على استحضار الغياب، مثل" بيت فارغ" و" أثر غياب" و" زمن معلّق بين مكانين".
ومن أشهر مشاريعه سلسلة" بيوت غزة 2008 – 2009"، التي وثّق فيها منازل مدمرة في غزة بصور هادئة تخلو من مشاهد العنف المباشر، لتتحول الصورة إلى شهادة بصرية صامتة على الحرب.
وحصد الفنان الفلسطيني خلال مسيرته عدة جوائز دولية، من بينها جائزة المعهد الأميركي لفنون الغرافيك والتصميم في مسابقة" 50 غلافًا وكتابًا" لعام 2022 عن غلاف كتابه" صور الشهداء".
كما نال مؤخرًا جائزة أفضل كتاب فوتوغرافي في باريس عن مشروعه" اضطرابات"، الذي تناول هشاشة الحياة اليومية في غزة.
وقال البطنيجي إن الصور التي كانت تصله عبر الهاتف بدت في البداية ضبابية وغير واضحة، فكان يلتقط لها صورًا للشاشة قبل أن تتضح تمامًا، موضحًا أن أغلب هذه الصور كانت مؤلمة وصعبة المشاهدة، ومن هنا جاءت فكرة تحويلها إلى لوحات زيتية.
وفي حديث لبرنامج" ضفاف" على شاشة" العربي 2"، أضاف أن أعماله تتناول القضية الفلسطينية من زاوية إنسانية مفتوحة على الجميع، مؤكدًا أن رموز فلسطين والحرب والمعاناة حاضرة في أعماله لكن بصورة غير مباشرة، من خلال تجربة شخصية ورؤية فلسفية تسعى إلى التواصل مع الإنسان أينما كان، سواء كان متعاطفًا أو محايدًا أو حتى بلا موقف محدد.
وأكد الفنان الفلسطيني أن الفن بالنسبة له لا يهدف إلى استدرار الشفقة أو تقديم الفلسطيني دائمًا بوصفه ضحية، بل إلى طرح رؤية مختلفة عن تلك التي تعرضها وسائل الإعلام.
وتحدث البطنيجي عن استخدامه أقلام الخشب الملونة لرسم صفحات كاملة بلون واحد حتى ينتهي القلم تمامًا، مشيرًا إلى أن هذا الأسلوب ساعده خلال الأشهر الأولى من الحرب في غزة على الاستمرار في العمل رغم الألم النفسي الكبير.
وعُرض هذا المشروع للمرة الأولى في مدينة هامبورغ الألمانية، ثم في بيروت مطلع عام 2015، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى معرض جماعي في متحف بقطر، وهو يُعرض حاليًا في مدينة أنتويرب البلجيكية منذ يناير: كانون الثاني الماضي.
وأشار الفنان إلى أنه يسعى عبر أعماله إلى منح" مادية للذاكرة" وتجسيد الفقد، رغم كونه شعورًا غير مادي بطبيعته، مستحضرًا المسافة الفاصلة بين الحضور والغياب.
وأوضح البطنيجي أن تجربة الفقد تركت أثرًا عميقًا في مسيرته الفنية، إذ فقد شقيقه الذي استشهد في بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، ثم خسر لاحقًا شقيقته وعددًا من أفراد عائلته وأقاربه خلال الحرب المستمرة في غزة، مشيرًا إلى أنه فقد أكثر من مئة شخص من عائلته.
وختم بالقول إن الغياب بالنسبة للفلسطينيين لم يعد مجرد حالة استثنائية، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية، وجزءًا من الحضور ذاته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك