عواصم- في تطور لافت يعكس تعقيدات المشهد الأمني والاستيطاني في الضفة الغربية، ظهرت تحذيرات من داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الصهيونية تفيد بعدم قدرة الجيش على توفير الحماية الكاملة لجميع المستوطنات الجديدة التي جرى إقرارها مؤخرًا.
اضافة اعلانهذا التحذير، الذي نقلته قناة" آي 24 نيوز" العبرية عن مسؤولين عسكريين، يضع علامة استفهام كبيرة -بحسب مراقبين- حول جدوى التوسع الاستيطاني السريع في مناطق يصفها الجيش الإسرائيلي نفسه بأنها تفتقر إلى الترتيبات الأمنية الكافية، ما يفتح الباب أمام جدل سياسي وأمني متصاعد داخل الكيان وخارجه حول مستقبل الاستيطان في الضفة الغربية، وحدود السيطرة الأمنية عليها.
ويأتي ذلك بالتوازي مع الكشف عن مصادقة مجلس الوزراء المصغر (الكابينت) سرًا على إقامة نحو 40 مستوطنة جديدة في مناطق متفرقة من الضفة الغربية، ما يعكس استمرار الدفع السياسي نحو توسيع رقعة الاستيطان، رغم التحذيرات العسكرية، ويعيد طرح التساؤلات حول حدود التوافق بين القرار السياسي والجاهزية الأمنية على الأرض.
وبحسب ما نقلته تقارير إعلامية للاحتلال، فإن المؤسسة العسكرية حذرت القيادات السياسية وممثلي المستوطنين من أن تنفيذ هذا العدد من المستوطنات قد يسبق القدرة على تأمينها ميدانيًا، مشيرة إلى أن الوصول إلى بعض المواقع في حال وقوع هجمات محتملة قد يستغرق وقتًا طويلًا.
وبحسب مصادر نقلت عنها" القناة 15" الصهيونية، طلبت جهات عسكرية من المستوطنين إخلاء الأراضي (المستوطنات) لأسباب أمنية، إلا أن هذا الطلب قوبل بالرفض في معظم الحالات داخل الضفة الغربية.
كما أفادت المصادر ذاتها بأن رئيس الأركان الصهيوني إيال زامير، طرح خلال اجتماعات الكابينت مقترحات تدعو إلى تأجيل أو تنفيذ تدريجي لقرارات التوسع الاستيطاني إلى حين استكمال البنية الأمنية اللازمة، غير أن هذه التحفظات لم تلق الاستجابة المطلوبة.
ويعكس هذا التحذير، وفق مراقبين، فجوة متزايدة بين القرار السياسي والاعتبارات العسكرية في إدارة ملف الاستيطان، خصوصًا في ظل تسارع غير مسبوق في المصادقة على مشاريع توسعية خلال الفترة الأخيرة.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية شهد ارتفاعًا ملحوظًا خلال العامين الماضيين، في سياق سياسة تُوصف بأنها الأكثر توسعًا منذ عقود، مع تركيز خاص على مناطق الخليل وجنين والمناطق القريبة من الجدار الفاصل.
على الجانب الفلسطيني، لا يبدو هذا التوسع مجرد تمدد عمراني روتيني، بل جزءًا من" هندسة تفتيت" ممنهجة يقودها اليمين الإسرائيلي وحكومة بنيامين نتنياهو منذ أواخر عام 2022 لإنهاء حل الدولتين جغرافيًا وسياسيًا.
وتمثل السنوات الثلاث الأخيرة، ولا سيما منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، مرحلة" الهرولة نحو الضم"، إذ انتقلت إسرائيل من نمط الاستيطان الحكومي الرسمي إلى نمط" الخصخصة الميدانية"، بعد إقرار نحو 28 ألف وحدة استيطانية عام 2025، وهو أعلى مستوى منذ سنوات.
وفي هذا السياق، برز ما يعرف بـ" الاستيطان الرعوي" كأخطر الأدوات، حيث يقيم عدد محدود من المستوطنين خيمة مع قطيع أغنام، وبحماية الجيش يسيطرون على آلاف الدونمات المحيطة.
وقد أُنشئت أكثر من 165 بؤرة من هذا النوع منذ عام 2023، منها 89 بؤرة في عام 2025 وحده.
وترى أوساط حقوقية فلسطينية أن هذا التوسع لا يقتصر على البعد السكاني أو العمراني، بل يمتد إلى إعادة تشكيل جغرافيا الضفة الغربية عبر خلق شبكات من الكتل الاستيطانية التي تفصل المدن والبلدات الفلسطينية بعضها عن بعض، وتحولها إلى جيوب معزولة.
ويُنظر إلى هذا النمط باعتباره جزءًا من عملية تفتيت ما تبقى من الحيز الجغرافي للفلسطينيين في الضفة الغربية، الهدف منه تقويض أي إمكانية لقيام تواصل إقليمي فلسطيني متماسك.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن المستوطنين، بدعم وحماية من الجيش في العديد من الحالات، يوسّعون سيطرتهم على الأراضي الزراعية الفلسطينية، بما في ذلك مناطق زراعية حيوية مثل أراضي الزيتون، وفي بعض الحالات، أُبلغ عن منع مزارعين فلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم.
في السياق ذاته، يرى خبراء في شؤون الاستيطان أن الوتيرة الحالية تعكس تحولًا نوعيًا في سياسة" إسرائيل" داخل الضفة الغربية، حيث لم يعد التوسع الاستيطاني يقتصر على قرارات حكومية تقليدية، بل بات يشمل أنماطًا ميدانية غير مركزية، تتداخل فيها المبادرات الفردية للمستوطنين مع الدعم المؤسسي.
شبكات من الطرق الالتفافية والإستراتيجية يجري شقها لربط منطقة تل أبيب الكبرى والقدس بالمستوطنات المنتشرة في قلب الضفة الغربية، في خطوة تهدف إلى تعزيز التواصل الجغرافي للمشروع الاستيطاني وتكريسه كجزء لا ينفصل عن البنية التحتية الإسرائيلية.
وفي تحليل العلاقة بين الاستيطان والأمن، تشير دراسة بعنوان" الأمن والاستيطان في الخطاب والسياسة الإسرائيلية" إلى أن المستوطنات والجدار الفاصل وسياسات التهويد لا تحقق أمنًا فعليًا لإسرائيل، بل تشكل في كثير من الأحيان عبئًا أمنيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
وتضيف الدراسة أنه ومع ذلك، تُستخدم هذه الأدوات ضمن إطار مشروع أيديولوجي طويل الأمد يهدف إلى تثبيت وقائع ميدانية على الأرض، وليس استجابة مباشرة لضرورات أمنية حقيقية، ما يكشف عن تناقض واضح بين الخطاب الأمني المعلن والوظيفة الفعلية لهذه السياسات.
وتخلص الدراسة في مجملها إلى أن مفهوم الأمن في الخطاب الصهيوني يُوظف كأداة لتبرير مشروع سياسي استيطاني مستمر، أكثر من كونه استجابة لتهديد وجودي حقيقي.
وتخصص الحكومة الصهيونية ملايين الدولارات من ميزانيتها السنوية لحماية المستوطنات في الضفة الغربية، كما يسخر الاحتلال قوات كبيرة لحراستهم، إلى جانب استخدام أجهزة مراقبة واستشعار حساسة.
ووفق مراقبين، يعكس الخلاف بين المستويين السياسي والعسكري داخل الاحتلال حول ملف المستوطنات الجديدة عمق الإشكاليات المرتبطة بإدارة الضفة الغربية.
-(وكالات).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك