حين طُرح سؤال: " ما الجرح الذي لا يندمل؟ " على امرأة أعرابية من ضرب الخيام في عمق البادية، لم تلتفت فطرتها إلى جروح الجسد التي تكفل الأيام برئها، بل غاصت في أغوار النفس البشرية، لتقدم إجابة مشحونة بالبلاغة، تضرب في سويداء الضمير الإنساني وتخض القلوب، إذ قالت: " وقوف الشريف عند باب الوضيع ثم لا يؤذن له، وطلب الكريم من اللئيم ثم لا يعطيه حاجته".
إنها لم تنطق بكلمات عابرة، بل قدمت تشريحاً غائراً لواحدة من أعظم المآسي الإنسانية، مأساة يتصادم فيها كبرياء النفس مع قسوة الحاجة في مشهد بالغ المرارة.
يبدو الشق الأول من هذه المأساة في معادلة مقلوبة تتهاوى فيها القيم، فالإنسان الشريف، الذي جُبل على الترفع وإباء النفس، يجد نفسه مدفوعاً بتقلبات الدهر ليقف طارقاً باب من لا يملك من النبل فتيلاً.
وتكمن غصة الألم هنا، لا في مجرد المنع، بل في منح أصحاب النفوس الدنيئة شعوراً زائفاً بالقوة، بيد أن هذا الشرخ النفسي يزداد عمقاً وإيلاماً في شقه الثاني، ونعني به اضطرار الكريم لطلب العون من شحيح لئيم.
فالكريم بصفاء سريرته يظن أن الناس يحملون ذات النقاء الفطري الذي يسكن صدره، ومن ثمَّ، يمثل لجوءه للطلب-في حد ذاته-شرخاً جسيماً لحيائه وعزة نفسه.
وحين يصطدم هذا النقاء بجحود اللئيم ومنعه للعطاء، لا يتوقف الألم عند فوات المأرب المادي، بل يمتد ليكون صدمة وجودية تزلزل ميثاق المروءة والشهامة، إذ يرى اللئيم في تلك الحاجة فرصة سانحة لتعظيم شأنه.
من هنا، يغدو هذا الجرح غير قابل للالتئام، لأن السنوات لا تملك بلسماً يمحو إهانة الكرامة.
الجروح الجسدية تبرأ ويطويها النسيان، أما جرح الكبرياء فيظل حياً ينبض في الذاكرة، يتغذى على المرارة وقسوه الايام.
ومن يتأمل هذا المعنى يدرك تماماً أن أقسى ما يمر به المرء في حياته، هي تلك اللحظة التي تضطره فيها المقادير لتخطي كرامته، ليجد في نهاية المطاف صلفاً وجحوداً ممن يمثلون أدنى مستويات الإنسانية.
في المحصلة، تظل مقوله الإعرابية صرخة أخلاقية مدوية تحذر الإنسان من أن تبتلع تقلبات الأيام قيم الكرامة الإنسانية.
وتؤكد بوضوح أن منع العطاء مع حفظ كرامة السائل وصون وجهه، أهون آلاف المرات من رده ذليلاً مكسور الخاطر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك