بدأت عشائر عراقية اتخاذ خطوات مجتمعية لاحتواء ما تصفه بـ" الانفلات" في تكاليف الزواج ومجالس العزاء، بعد سنوات من تصاعد مظاهر البذخ والإنفاق المفرط التي أثقلت كاهل العائلات ودفعت كثيراً من الشباب إلى تأجيل الزواج أو التراجع عنه بسبب الضغوط المالية، فيما تحولت مجالس العزاء في مناطق عدة إلى التزام اجتماعي مكلف يرهق ذوي المتوفى بالديون والنفقات الباهظة.
وفي أحدث هذه التحركات، عقدت عشيرة البو محل والعشائر المتحالفة معها جلسة عشائرية أخيراً، أصدرت خلالها جملة قرارات لتنظيم المهور ومجالس العزاء والمناسبات الاجتماعية، في خطوة لاقت تفاعلاً واسعاً داخل الأوساط المجتمعية العراقية.
ونصت القرارات على تحديد مبلغ المهر بمليون دينار عراقي، مع اعتماد مقدم ومؤخر محددين من قيمة الحلي الذهبية، إلى جانب تقليص مراسم الزواج إلى حفلة واحدة مختصرة بدلاً من تعدد المراسم والحفلات، ومنع المظاهر التي تتسبب بمصاريف إضافية أو فوضى مجتمعية، كإطلاق الأعيرة النارية وقطع الطرق خلال الاحتفالات.
وبخصوص مجالس العزاء، تضمنت القرارات تقليصها إلى يوم واحد فقط، والاكتفاء بتقديم الماء والقهوة للمعزين، مع تحديد ساعات استقبال محددة، وذلك لتخفيف العبء المالي عن أسر المتوفين التي كثيراً ما تضطر إلى الاستدانة لتغطية تكاليف الطعام والضيافة والخيام ومتطلبات المجالس الممتدة لعدة أيام.
وتعكس هذه الخطوة تحركاً مجتمعياً متزايداً لمحاولة إعادة ضبط العادات الاجتماعية بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العراقيون، خاصة مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف السكن والزواج.
يقول الشيخ فالح الدليمي، وهو أحد وجهاء العشائر في محافظة الأنبار، إن" المجتمع وصل إلى مرحلة باتت فيها التقاليد فوق قدرة الناس"، موضحاً لـ" العربي الجديد"، أن" كثيراً من العائلات أصبحت تخشى تزويج أبنائها بسبب الطلبات المرتفعة، فيما يدخل البعض في دوامة الديون المالية بسبب الأعراس أو مجالس العزاء".
وأضاف أن" الهدف من هذه القرارات ليس إلغاء التقاليد، بل تهذيبها وإعادتها إلى حدودها الطبيعية بعيداً عن التفاخر الاجتماعي والمنافسة في الإنفاق".
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت حفلات الزواج في مدن عراقية كثيرة إلى مناسبات باهظة الكلفة، تتضمن إقامة حفلات متعددة، وحجز قاعات مرتفعة الأسعار، وشراء كميات غير قليلة من الحلي الذهبية، فضلاً عن طلبات إضافية تتعلق بالأثاث والهدايا والولائم، الأمر الذي دفع ناشطين ورجال دين ووجهاء عشائر إلى التحذير من انعكاسات هذه الظاهرة على الاستقرار الاجتماعي.
ولا يقتصر الأمر على الزواج فقط، إذ أصبحت مجالس العزاء بدورها عبئاً اقتصادياً متزايداً في المناطق العشائرية، حيث تضطر بعض العائلات إلى إقامة سرادق وتقديم وجبات الطعام لعدة أيام، وسط ضغط اجتماعي يدفع ذوي المتوفى إلى الالتزام بهذه التقاليد حتى وإن كانت فوق إمكاناتهم المادية.
وسبق أن أصدر وجهاء وشيوخ عشيرة البو عيسى قرارات مماثلة تضمنت وضع ضوابط واضحة لمجالس العزاء وتقليل مظاهر الإنفاق المبالغ فيها، إلى جانب تنظيم حفلات الخطوبة والزواج ومنع التكاليف الباهظة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى عبء اقتصادي واجتماعي متفاقم.
ويقول الشيخ سنان العبيدي، وهو أحد الشيوخ العشائريين في بغداد، إن هذه المبادرات" بدأت تلقى قبولاً واسعاً لأن الجميع باتوا يشعرون بحجم الأزمة"، مؤكدا في حديثه لـ" العربي الجديد"، أن" الكثير من الأسر كانت تضطر لبيع ممتلكاتها أو الاقتراض للحفاظ على صورتها الاجتماعية أمام الآخرين".
من جهتها، ترى الناشطة الحقوقية منى المرسومي أن أهمية هذه الخطوات تكمن في" السعي لتحويلها إلى عرف اجتماعي واسع لا يقتصر على عشيرة أو منطقة معينة"، معتبرة في حديثها لـ" العربي الجديد"، أن" المجتمع العراقي بحاجة فعلية إلى مراجعة كثير من العادات التي فقدت بعدها الإنساني وتحولت إلى استعراض مالي مرهق".
وأضافت أن نجاح هذه المبادرات" مشروط بمدى الالتزام الحقيقي بها وعدم التراجع عنها تحت ضغط المجاملات الاجتماعية"، لافتة إلى أن" الكثير من المبادرات السابقة كانت تبدأ بحماسة كبيرة لكنها تتراجع تدريجياً بسبب غياب التطبيق الفعلي".
وقد تمثل التحركات العشائرية الأخيرة بداية لتحول أوسع داخل المجتمع العراقي، خصوصاً مع تنامي الأصوات المطالبة بتبسيط الحياة الاجتماعية وتقليل الكلف المرتبطة بالمناسبات، في ظل أوضاع اقتصادية تدفع شرائح واسعة إلى إعادة النظر بأولوياتها المعيشية.
وبينما لا تزال هذه المبادرات محصورة ضمن أطر عشائرية ومناطقية محددة، إلا أنها تعكس إدراكاً متزايداً بأن الحفاظ على التماسك الاجتماعي لم يعد مرتبطاً بحجم الإنفاق، بل بقدرة المجتمع على التكيف مع الواقع الاقتصادي وتخفيف الضغوط عن أفراده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك