إن المناهج الحديثة في الاقتصاد الجزئي تسمح بتحليل ودراسة البنى الاقتصادية في إطار موارد بيئة محددة.
أي بات بالإمكان عبر مناهج الاقتصاد الحضري، ومناهج اقتصادات المدن المستدامة، دراسة سلوك اقتصادي متكامل لسوق محلي أو وحدة اقتصادية معينة مثل مدينة أو محافظة أو إقليم، بدون اللجوء إلى الوحدات الاقتصادية الإجمالية والكلية المتعلقة بالاقتصاد الوطني أو العالمي ككل.
عبر مناهج الاقتصاد الجزئي نحن قادرون على التشريح الاقتصادي للوحدات الحضرية للخروج بنتائج اقتصادية حقيقية وتحقيق مشهد اقتصادي علمي وجدي يعكس الواقع.
من أجل رسم الخريطة الاقتصادية لوحدة اقتصادية محلية (تحليل مؤشرات السوق في مدينة اللاذقية) يجب أن نبدأ من الأسس، أي من الهيكل الأساسي لبنى السوق الاقتصادية في المدينة وكما هو معلوم فإن الدراسات الجدية تقودنا إلى رسم خرائط واقعية، ومنها يمكن الانتقال إلى خطط فعلية وقابلة للتطبيق.
رغم قانون الاستثمار الجديد (المرسوم 14 للعام 2025) ما زالت الاستثمارات الفعلية لرأس المال الأجنبي في اللاذقية منحصرة في القطاع المرفئِي الذي يعد الآن أكبر استثمار أجنبي في المحافظةالمؤشرات الاقتصادية المرجعية لاقتصاد مدينة اللاذقيةتقدر نسبة مساهمة اللاذقية في الناتج الإجمالي المحلي السوري بنحو 7.
8% وفقا لآخر بيانات رسمية متاحة (علما أن الأرقام التي نستند إليها بمجملها تقريبية وتقديرية، فحتى الآن لا يوجد لدينا أرقام مسحية دقيقة ولكن سعيت إلى تنويع المصادر والمقاربة والتسديد لنخرج بأقرب النتائج الممكنة للواقع).
بيد أن المساهم الأكبر هو دمشق وريفها (تتجاوز 25 %) وتليها مباشرة حلب.
وإن مساهمة اللاذقية العامة ازدادت زيادة ملحوظة عن نسبة مساهمتها في 2010 التي لم تكن تتجاوز 4.
6%.
وإذا قدر البنك الدولي الناتج الإجمالي المحلي التقديري لسوريا في 2026 بحوالي 60 مليار دولار يكون حجم الناتج الإجمالي المحلي للمدينة هو حوالي 4.
7 مليارات دولار.
يتبع معدل التضخم في محافظة اللاذقية الاتجاه السوري العام الذي يشهد مؤخرا تباطؤ في وتيرة الارتفاع (أي تضخم بمعدلات أقل) خاصة إثر انفتاح الأسواق وتوحيد السوق التجارية الوطنية وأجواء الارتياح في الأسواق إثر سقوط النظام.
ولكن لا يزال معدل التضخم السوري العام عاليا جدا يتجاوز عتبة 120%.
وتاريخيا سجلت اللاذقية معدلات تضخم أقل مقارنة ببقية المحافظات السورية وأقل من المعدل الوطني العام وتسجلها بعض المراجع بحوالي 103% وهو معدل لا يزال ذا مستويات مرتفعة جدا.
بفعل عوامل الحرب والخراب الاقتصادي الكبير الذي حاق بالمحافظة على مدار أكثر من 15 عاما ما زالت البنية التحتية المتعلقة بالقطاعات الثلاثة ضعيفة وهشة ومتآكلةورغم قانون الاستثمار الجديد (المرسوم 14 للعام 2025) ما زالت الاستثمارات الفعلية لرأس المال الأجنبي في اللاذقية منحصرة في القطاع المرفئِي الذي يعد الآن أكبر استثمار أجنبي في المحافظة، حيث بلغت القيمة الإجمالية للعقد الموقع مع شركة cma تقريبا 260 مليون دولار لتطوير محطة الحاويات والمرفأ.
ويمكن تحديد هيكلية البنية التحتية لاقتصاد مدينة اللاذقية في ثلاث قطاعات رئيسية:أولا، المرفأ والذي يمكن اعتباره العصب الاقتصادي للمحافظة.
والبوابة التجارية الأهم المرتبطة مع السوق الوطنية عبر مجموعة من الشبكات والطرق الإستراتيجية (الأوتوستراد الدولي والـ m4 وشبكة السكك الحديدية الذي يعتبر القناة الأهم على الإطلاق والأكثر حيوية).
ثانيا، القطاع السياحي.
حيث يمثل الساحل عبر مناطقه التي تتركز فيها بنية تحتية سياحية (مثل المنشآت الشاطئية والمرافق الداعمة والخدمات) البوابة التجارية التالية في الأهمية والجاذبة للاستثمارات وموارد الدخل للمحافظة.
ثالثا، الزراعة المستندة إلى بنية تحتية زراعية والتي تشمل شبكات الري وأسواق الهال المركزية لتصريف وتصدير المحاصيل الإستراتيجية في الأرياف عبر بوابات المدن.
وبفعل عوامل الحرب والخراب الاقتصادي الكبير الذي حاق بالمحافظة على مدار أكثر من 15 عاما ما زالت البنية التحتية المتعلقة بالقطاعات الثلاثة ضعيفة وهشة ومتآكلة.
ولا تزال على العموم في مستويات تشغيلية دون الحد الأدنى.
هناك تكتلات اقتصادية كبيرة وقديمة تقود اقتصاد المدينة وتسيطر على أغلب القطاعات الحيوية فيه على المستوى المحلي، من الصناعات الغذائية، وشركات التجزئة الغذائية والزراعيةعامل القوة الأكبر في اقتصاد اللاذقية هو رأسمالها البشري.
إنها القوة العاملة الشابة والمجازة والكفؤة والمندفعة بإمكانيات عالية في مختلف لا بل في كل مجالات سوق العمل.
ويوجد كحد أدنى حوالي 1.
3 مليون يد عاملة في المحافظة أغلبها من الفئات العمرية الشابة (بين 20 و29 عاما) موزعة على قطاعات الخدمات الحكومية والمؤسسات العامة وقطاع الخدمات والنقل واللوجيستيات والزراعة.
مع نسب بطالة وانعدام تشغيل ما زالت مرتفعة للأسف كنتيجة مباشرة لتبعات الحرب السورية، (تصل إلى حدود 50%).
سنويا يرفد التعليم المهني سوق العمل بالمحافظة بـ 8 آلاف خريج تقريبا.
واليد العاملة في المحافظة بين عمري 20 و35 عاما في أغلبيتها تجاوزت الشهادة العامة، وتظهر العديد من الدراسات أن القوة العاملة في المحافظة تشكل" هيكلية كفايات" مميزة على مستوى سوق العمل في البلد ككل.
في القطاع العام بات الحد الأدنى للأجور 12 ألفا و560 ليرة بحسب المرسوم رقم 67 للعام 2026.
أما في القطاع الخاص والمهن الحرة فتكمن المشكلة الرئيسية في تذبذب الأجور وعدم استقرارها مع إمكانية تحديد حد أدني 10 آلاف ليرة سورية جديدة وتبقى خاضعة لإنتاجية العمل.
علما أن تقدير تكلفة المعيشة المتوسطة للشخص الواحد في اللاذقية تقدر بنحو 400 إلى 600 دولار شهريا على أدنى تقدير مما يعكس فجوة بنيوية في كفايات الأجور تكاد تهدد استقرار المجتمع واستدامة سوق العمل.
معركة التنمية هي المعركة الكبرى وهي الميدان الذي تقع فيه المسؤوليات الكبرى للدولة السورية الوليدة والذي فيه يترجم الأمل الكبير إلى واقع حيهناك تكتلات اقتصادية كبيرة وقديمة تقود اقتصاد المدينة وتسيطر على أغلب القطاعات الحيوية فيه على المستوى المحلي، من الصناعات الغذائية، وشركات التجزئة الغذائية والزراعية، وهناك شركات جديدة عملاقة بدأت العمل في القطاعات الناشئة مثل المقاولات والتطوير العقاري.
إمكانيات ضخمة وقدرات استثمارية واسعة، مع يد عاملة شابة قادرة ومتلهفة للانخراط في سوق العمل، كل ذلك على أعتاب اقتصاد مدمر مهمش خارج من حرب مكلفة قطعت أوصال الأعصاب والشرايين الاقتصادية للمحافظة.
وهذا مع وجود مخيمات الشمال التي ما زالت تؤوي نازحي الحرب إلى اليوم والذين من الواضح أن أي عملية تنمية اقتصادية جدية يجب أن تبدأ منهم وبهم، هذا هو الملخص العام للمشهد الاقتصادي في اللاذقية.
أما عن الخيارات والآفاق فهي واسعة كما قلنا، وأما عن الإمكانيات فهي تنتظر التفعيل.
فمعركة التنمية هي المعركة الكبرى وهي الميدان الذي تقع فيه المسؤوليات الكبرى للدولة السورية الوليدة والذي فيه يترجم الأمل الكبير إلى واقع حي وبناء بات حاجة ملحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك