تمر هذا العام مئوية كل من يوسف شاهين، صلاح ذو الفقار، رشدي أباظة، عمر الحريري، وللأسف لم نسمع عن احتفالات أو فعاليات بهذه المئويات إلا فيما يخص يوسف شاهين.
والسبب بالطبع أن لدى «شاهين» ورثة يحرصون على اسمه والاهتمام بميراثه والحفاظ على أعماله وعرضها وتوزيعها واستغلالها مادياً، أما الأسماء الأخرى فلا «ظهر» لهم، وليست هناك مؤسسات تحمل أسماءهم أو مؤسسات عامة مسئولة عن الاهتمام بإحياء ذكرى المبدعين الراحلين وأعمالهم.
رشدي أباظة.
القلق من الرجلوكنت أنتظر على الأقل أن أسمع عن فعالية أو تكريم أو ملف لإحياء مئوية رشدي أباظة باعتباره من أكثر الفنانين المصريين شعبية، ولكنني لم أسمع سوى عن قيام أحد الممثلين الشباب، وهو بالمناسبة ابن ممثل راحل، بالسخرية من رشدي أباظة في لقاء تليفزيوني قال فيه إن «أباظة»، لو كان حياً، كان سيفضل أن يحصل على نصف أجره «نسوان» في إشارة إلى علاقات «الدونجوان» النسائية المتعددة!ورغم أن الممثل الشاب اعتذر عن تصريحاته في تحقيق مهيب ومخيف عقدته معه نقابة الممثلين، فإن المسألة برمتها، سواء التصريحات أو التحقيق تكشف عن حالة الخواء والتفاهة التي وصلنا إليها.
فمبدئياً ليس في تصريحات الممثل الشاب ما يشين اسم رشدي أباظة، وكل الناس تعرف أنه كان يحب النساء وأن النساء كن يحببنه.
ورشدي أباظة نفسه كتب مذكراته في مجلة «الشبكة» في أكثر من خمسين حلقة، تعد من أكثر المذكرات التي كتبت باللغة العربية صراحة وشجاعة، ومعظمها يدور عن علاقاته النسائية.
هكذا كان الرجل، سواء أحببت، حضرتك، هذه الحقيقة أو كرهتها، وسواء كنت تتندر بها في جلساتك الخاصة وتنكرها في تصريحاتك العامة، وسواء كنت تتقبلها أو تعتبرها من المنكرات التي يجب التوبة عنها والتستر عليها.
وعلى الأقل كان رشدي أباظة «رجلاً» ليس فقط بكثرة علاقاته ولكن بشجاعته وصراحته التي قلما توجد في شخصية عامة اليوم، بعد أن أصبح النفاق والازدواجية والكذب سادة الأخلاق.
كنت أتمنى أن أشهد فعاليات تحتفي بذكرى رشدي أباظة، وتركز ليس فقط على «دون جوانيته»، ولكن على ما أضافه إلى صورة الرجل على الشاشة المصرية، وكيف جاءت مختلفة عن معظم ما قبله وما بعده، وكيف تعاملت السينما (وجمهور هذه السينما) مع رجولته بانجذاب وقلق في الوقت نفسه، قلق يعكس مجتمعاً يمجد من صورة الفحولة ويخشى منها في الوقت نفسه!صلاح ذو الفقار.
الطيب المظلومكنت أتمنى أيضاً أن أشهد احتفاءً بذكرى صلاح ذو الفقار، وهو، على النقيض من «أباظة»، كان رجلاً «طيباً» تخلو سيرته من «الفضائح النسائية» أو غيرها، ولعله كان يفضل أن يحصل على نصف أجره «تقدير معنوي».
وقد عاش الرجل ومات دون أن يحظى بالتقدير الذي يستحقه كممثل جيد صاحب شخصية سينمائية وأداء متميزين، وحضور فني هادئ ومرح ومريح قلما نراه في النجوم الرجال، وهي مميزات، في اعتقادي، لم تستغل فنياً كما ينبغي، إلا في بعض الأعمال الاجتماعية الجميلة مثل «رد قلبي» و«الأيدي الناعمة» أو «عفريت مراتي» أو مسلسل «عائلة شلش»، وبعض الأعمال الأخرى التي تعد من أفضل ما قدم في نوع الكوميديا الاجتماعية.
عمر الحريري.
المحايد الملتبسربما يكون عمر الحريري أقل شعبية وجاذبية من رشدي أباظة وصلاح ذو الفقار، فقد كان يتسم بملامح وشخصية محددة جعلته ينتمي لما يعرف بممثل النمط (مثل زكي رستم أو محمود المليجي أو صلاح منصور) وكان نمط «الحريري» هو الشخص ملتبس الطبيعة، محايد الملامح، الذي يقبع في الظل غالباً كصديق أو خصم ولكن بدرجة لا تؤهله ليصبح الصديق الحميم محل الثقة، أو الشرس بدرجة كافية لاعتباره شريراً!مع ذلك يمثل عمر الحريري تاريخاً يستحق الاحتفاء به وتحليله والكتابة عنه.
على الأقل فيما يتعلق بدراسة «أنماط الشخصيات» ودلالاتها ووظائفها الدرامية، والنمط الذي يمثله عمر الحريري مهم جداً لفهم كثير من الأعمال التي شارك فيها، وعلى سبيل المثال شخصية الأخ المتذبذب بين حب شقيقته واستغلالها في «نهر الحب»، والتي من شدة حياديتها تبدو غير نمطية بالمرة في الدراما المصرية، وهي تمثل في «نهر الحب» تحديداً، بالنظر إلى مضمونه الذي يدافع عن حق المرأة المتزوجة في الطلاق من أجل حب رجل آخر (وهي التجربة التي مرت بها بطلة الفيلم نفسها في حياتها الشخصية وقلبت المجتمع رأساً على عقب).
وشخصية الأخ التي أداها «الحريري» هنا هي تجسيد لنمط مختلف للأخ الرجل الشرقي، يبدو أضعف من أخته المرأة، ولا يستطيع أو يحاول التحكم بها، بل يبدو متفهماً لظروفها ورغباتها.
وهذا على سبيل المثال لا الحصر طبعاً، إذ تستحق شخصية عمر الحريري كممثل تحليلاً أكثر إسهاباً وإنصافاً.
وبمناسبة المئويات يحتفل العالم بعد أيام بذكرى مارلين مونرو، أكثر نساء السينما شهرة على مر التاريخ.
واحدة من أجمل الكائنات التي عرفها كوكب الأرض، أو كما يقول أنيس منصور أجمل مخلوق ظهر في الوجود! وطبعاً كل هذه المبالغات تبين فقط كم كانت هذه المرأة جذابة ومؤثرة في حياة الملايين من البشر منذ ظهورها في بداية خمسينات القرن الماضي، وبعد وفاتها المفاجئة والصادمة عن عمر 36 عاماً، وإلى الآن من خلال ما يكتب ويصنع عنها من برامج وأفلام وتحقيقات فنية وجنائية حتى الآن!ومن الطريف أن نقارن بين رشدي أباظة، نموذج الرجل الفحل في السينما المصرية، وما يجري من محاولات لطمس بعض تفاصيل حياته أو الالتفاف عليها، ومارلين مونرو، نموذج الأنثى المثيرة في السينما الأمريكية والعالمية، وكيف يقال كل شيء عنها بمنتهى الصراحة (بل والوقاحة أحياناً) من قبل كتاب السيرة الوثائقية أو الخيالية عنها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك