إنَّ الدارس المتأمل لمؤلفات تاريخ السودان عبر العصور يلحظ فوارق جوهرية في مناهج البحث والتحليل، وكذلك في المنطلقات الفكرية بين المؤرخين الأوائل ونظرائهم المحدثين.
فعند دراستنا لتاريخ السودان في مراحل التعليم المختلفة وجدنا سردًا للأحداث التاريخية بصورة إيجابية في أغلب الأحيان، مع عدم إبراز السلبيات أو تحليل أسباب الإخفاقات التاريخية بصورة نقدية، مما انعكس على ثقافتنا ومعارفنا بصورة غير دقيقة في بعض الأحيان.
فعلى سبيل المثال، هزيمة جيش المهدية بقيادة الخليفة عبد الله التعايشي في معركة كرري عام 1898م كشفت عن ضعف واضح في فهم الإستراتيجية العسكرية الحديثة وعلوم المخابرات، مع عدم الإلمام التام بإمكانات جيش كتشنر المدجج بالسلاح الحديث، الأمر الذي أدى إلى مقتل ما يقارب عشرة آلاف من الدراويش مقابل مئات قليلة من القوات البريطانية المصرية.
ومع ذلك، ما تزال هذه المعركة تُقدَّم في بعض الأدبيات المدرسية والثقافية والاناشيد الوطنية، بغرض الحماسة، وكأنها انتصار بطولي صرف، دون تحليل نقدي لنتائجها العسكرية والسياسية [1].
كذلك، شعر الحماسة والأغاني الشعبية التي تمجد الشجاعة القبلية والحروب المحلية غالبًا ما تُستقبل بوصفها تجسيدًا للبطولة الوطنية، رغم أن كثيرًا منها ارتبط بصراعات قبلية داخلية بين جماعات سودانية متجاورة، وليس بحروب ضد عدو خارجي [2].
في هذا المقال نتناول أبرز المناهج التي اتبعها مؤرخو السودان، قديمًا وحديثًا، ونستعرض تطور الكتابة التاريخية السودانية ومناهجها المختلفة.
يُعد التاريخ علمًا يسعى لفهم الماضي وتفسيره عبر دراسة الأحداث وربطها بسياقاتها السياسية والاجتماعية والثقافية.
وقد تطورت مناهج دراسة التاريخ مع الزمن، ومن أبرزها:• المنهج السردي: يعتمد على تسلسل الأحداث زمنيًا دون تحليل معمق.
• المنهج التحليلي: يفسر أسباب الأحداث ونتائجها اعتمادًا على تحليل المصادر.
• المنهج المقارن: يقارن بين الأحداث والتجارب التاريخية المختلفة.
• المنهج الاجتماعي: يركز على المجتمع والعلاقات الاجتماعية والثقافية.
• المنهج الوثائقي: يعتمد على تحليل الوثائق والمخطوطات والأرشيفات.
• المنهج الأنثروبولوجي: يهتم بالبنى القبليّة، والثقافية، والعادات، والتقاليد.
وقد انعكس استخدام هذه المناهج على تطور الكتابة التاريخية السودانية عبر مراحلها المختلفة [3].
المؤرخون الأوائل ومناهجهميُعد ضرار صالح ضرار من أوائل المؤرخين السودانيين الذين اهتموا بتوثيق الثورة المهدية وتاريخ السودان الحديث.
تميز أسلوبه بالسرد المبسط والترتيب الزمني الواضح للأحداث [4].
الثورة المهدية وملامحهااعتمد ضرار بصورة كبيرة على الروايات الشفهية والمصادر المحلية، وكان هدفه الأساسي ترسيخ الوعي الوطني وإبراز الجوانب البطولية في التاريخ السوداني.
جاءت كتابات مكي شبيكة أكثر شمولًا وتحليلًا، حيث ربط بين التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي للسودان [5].
المهدية وموقفها في التاريخ السودانيتميز أسلوبه بمحاولة تفسير الأحداث في إطارها الإقليمي والدولي، وليس كسرد محلي معزول.
يُعتبر يوسف ميخائيل شاهدًا مباشرًا على فترة الثورة المهدية، وقد اكتسبت مذكراته أهمية خاصة لأنه كتبها بعد سقوط الدولة المهدية بفترة طويلة، مما أتاح له قدرًا من الحرية في النقد والتحليل [6].
جمع أسلوبه بين السرد الشخصي والتوثيق التاريخي، مع وصف دقيق للحياة اليومية والأحداث السياسية والعسكرية.
اهتم محمد عبد الرحيم بالجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية في تاريخ السودان، واتبع منهجًا تحليليًا نقديًا يعتمد على الوثائق والروايات الشفهية الموثوقة [7].
• السودان بين الماضي والحاضرويُحسب له اهتمامه بالسياقات الاجتماعية للأحداث، وليس مجرد تسجيل الوقائع السياسية.
اهتم الأستاذ الصحفي حسن نجيلة بالجوانب الاجتماعية والثقافية من تاريخ السودان، خاصة الحياة اليومية والعادات والتقاليد السودانية خلال فترة الاستعمار وما بعدها [8].
• ملامح من المجتمع السوداني• ذكريات وأحداث من تاريخ السوداناعتمد نجيلة على المعايشة المباشرة والروايات الشفهية، وجمع بين السرد الأدبي والتحليل الاجتماعي، مما منح كتاباته طابعًا إنسانيًا حيًا.
نعّوم شقير: التوثيق الموسوعي لتاريخ السودانيُعتبر نعّوم شقير من أبرز من وثقوا تاريخ السودان بصورة موسوعية.
وقد عمل في الإدارة المصرية بالسودان، مما أتاح له الاطلاع على وثائق رسمية مهمة [9].
جمع شقير بين الدراسة الجغرافية والتحليل التاريخي، واعتمد على الوثائق الرسمية والروايات الشفهية.
ورغم القيمة الكبيرة لعمله، فإن بعض كتاباته تأثرت بالرؤية الاستعمارية السائدة آنذاك.
المؤرخون والإداريون البريطانيونونجت باشا (Sir Reginald Wingate)اهتم بتاريخ الثورة المهدية والصراع العسكري في السودان [10].
• Mahdism and the Egyptian Sudan• Ten Years’ Captivity in the Mahdi’s Campاعتمد على التقارير الرسمية والوثائق العسكرية، ولذلك جاء أسلوبه سياسيًا وعسكريًا بالدرجة الأولى.
هـ.
أ.
ماكمايكل (H.
A.
MacMichael)اهتم بالبنية القبلية والاجتماعية في السودان [11].
• A History of the Arabs in the Sudan• The Tribes of Northern and Central Kordofan• وأعتمد منهجا أنثروبولوجيا قائماً على دراسة القبائل والأنساب والهجراتيُعد من أبرز الباحثين الأكاديميين في تاريخ السودان الحديث [12].
• The Mahdist State in the Sudan• A Modern History of the Sudanتميز منهجه بالتحليل السياسي والاجتماعي والاعتماد على الأرشيفات المتعددة.
روبرت كولينز (Robert O.
Collins)ركز على العلاقة بين السياسة والجغرافيا والبيئة في السودان [13].
• A History of Modern Sudanاعتمد على التحليل السياسي وربط السودان بالسياقات الإقليمية والدولية.
المؤرخون السودانيون المحدثونيُعد من أهم الباحثين في تاريخ المهدية والوثائق السودانية [14].
• العلاقات السودانية البريطانيةاعتمد على المنهج الوثائقي النقدي وتحقيق المخطوطات وتحليل الوثائق الأصلية.
اهتم بقضايا الهوية الوطنية والتعليم والحركة الوطنية [15].
• تاريخ الحركة الوطنية في السودان• الصراع السياسي في السودان• مشكلات التعليم في السودانربط بين التاريخ وقضايا الهوية والثقافة والتعدد الإثني.
قدم قراءة اجتماعية وثقافية للتاريخ السوداني [16].
• الثقافة والديمقراطية في السودان• المثقفون وحكومة السلطاناعتمد على التحليل السوسيولوجي والنقد الثقافي.
اتبع المنهج الماركسي في تفسير التاريخ السوداني [17].
• التاريخ السياسي للسودان• الصراع بين المهدية والاستعمار• الرأسمالية الزراعية في السودانركز على التحليل الطبقي والبنية الاقتصادية والاجتماعية.
اهتم بتاريخ الإسلام والثقافة الإسلامية والعلاقات الإفريقية العربية [18].
• تاريخ الإسلام والثقافة الإسلامية في السودان• الممالك الإسلامية في السودان الشرقيجمع بين البحث الوثائقي والتحليل الحضاري.
برزت كواحدة من أهم المؤرخات السودانيات المعاصرات، خاصة في دراسة فترة الحكم الثنائي ودور المرأة [19].
• السودان تحت الحكم الثنائيتميزت بإعادة قراءة التاريخ من منظور اجتماعي وإنساني ونقدي.
يُعتبر الدكتور أحمد إبراهيم أبو شوك من أبرز المؤرخين السودانيين المعاصرين الذين جمعوا بين المنهج الوثائقي والتحليل الأكاديمي الحديث [20].
• تاريخ السودان: آفاق جديدة للبحث التاريخي• حياة الإمام المهدي من خلال الوثائق والمخطوطات• السودان: تاريخ وثقافة وسياسةاعتمد أبو شوك على تحليل الوثائق والمخطوطات الأصلية، وربط الأحداث التاريخية بالسياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية.
كما اهتم بإعادة قراءة تاريخ السودان بمنهج نقدي حديث يبتعد عن السرد التقليدي، مع التركيز على قضايا الهوية والتنوع الثقافي ودور الفئات الاجتماعية المختلفة في صناعة التاريخ السوداني.
وقد تميزت كتاباته بالدقة الأكاديمية والاعتماد المكثف على الأرشيفات المحلية والعالمية، إلى جانب الاستفادة من المناهج الحديثة في الدراسات التاريخية.
مقارنة بين المؤرخين الأوائل والمؤرخين المحدثينيمكن ملاحظة اختلافات جوهرية بين مناهج المؤرخين الأوائل والمحدثين في كتابة تاريخ السودان.
فقد ركز المؤرخون الأوائل على السرد المباشر للأحداث السياسية والعسكرية وتوثيق الوقائع، مع اعتماد كبير على الروايات الشفهية والشهادات الشخصية والوثائق الإدارية [4][6].
أما المؤرخون المحدثون فقد اتجهوا إلى استخدام مناهج متعددة التخصصات تجمع بين التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والاقتصاد والعلوم السياسية [17][20].
كما اهتمت الكتابات الحديثة بقضايا الهوية والمرأة والمجموعات المهمشة والثقافة الشعبية، وهي موضوعات كانت غائبة نسبيًا في الكتابات القديمة [16][19].
وفي المقابل، تبقى للمؤلفات القديمة قيمتها الكبيرة باعتبارها مصادر أولية قريبة من الأحداث نفسها، بينما أتاحت المناهج الحديثة إعادة قراءة تلك الأحداث بصورة أكثر شمولًا وعمقًا.
وبذلك فإن الكتابة التاريخية السودانية الحديثة تمثل امتدادًا وتطويرًا للجهود الأولى، لا قطيعة معها، حيث تكامل التوثيق القديم مع التحليل الأكاديمي المعاصر لإنتاج فهم أكثر نضجًا لتاريخ السودان.
⸻محمد سعيد القدال، التاريخ السياسي للسودان.
عبد الله علي إبراهيم، الثقافة السودانية والديمقراطية.
E.
H.
Carr, What is History؟ضرار صالح ضرار، تاريخ السودان الحديث.
مكي شبيكة، السودان عبر القرون.
يوسف ميخائيل، مذكرات يوسف ميخائيل.
محمد عبد الرحيم، السودان بين الماضي والحاضر.
حسن نجيلة، ملامح من المجتمع السوداني.
نعّوم شقير، جغرافية وتاريخ السودان.
Reginald Wingate, Mahdism and the Egyptian Sudan.
H.
A.
MacMichael, A History of the Arabs in the Sudan.
P.
M.
Holt, The Mahdist State in the Sudan.
Robert O.
Collins, A History of Modern Sudan.
محمد إبراهيم أبو سليم، السودان في قرن.
محمد عمر بشير، تاريخ الحركة الوطنية في السودان.
عبد الله علي إبراهيم، المثقفون وحكومة السلطان.
محمد سعيد القدال، الصراع بين المهدية والاستعمار.
يوسف فضل حسن، تاريخ الإسلام والثقافة الإسلامية في السودان.
فدوى عبد الرحمن علي طه، السودان تحت الحكم الثنائي.
أحمد إبراهيم أبو شوك، السودان: تاريخ وثقافة وسياسة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك