ثمةَ فارقٌ بالغ الدقة بين مجتمعٍ يفتح نوافذه للضوء، وآخر يقتلع جدرانه ظنًّا منه أن العراء شكلٌ من أشكال الحرية.
فليست الحضارة أن نتنكر لذاكرتنا، ولا الرقي أن نُعيد تشكيل أنفسنا وفق المقاييس العابرة التي تفرضها سرعة العصر وتقلباته، وإنما تكمن القيمة الحقيقية في قدرتنا على العبور نحو المستقبل دون أن نفقد أسماءنا الأولى، أو نُفرّط بذلك العمق الإنساني الذي صاغته التجارب، وربّته الأخلاق، وحفظته القيم جيلاً بعد جيل.
ولأن العالم بات أكثر انفتاحًا وتشابكًا من أي وقتٍ مضى فقد أصبح الإنسان المعاصر يقف في مساحةٍ دقيقة بين ما يؤمن به وما يُدفع إليه؛ بين أصالةٍ يخشى أن تُؤخذ على أنها خوفٌ من التغيير، وحداثةٍ يخاف أن تُفقده ملامحه الأولى.
ومن هنا، لم يعد السؤال الحقيقي: هل ننفتح أم لا؟ بل: كيف ننفتح دون أن يضيع منا ما يشبهنا؟ أو كيف نُجيد استقبال العالم دون أن نفقد قدرتنا على التعرف إلى أنفسنا في المرآة؟إن بعض المجتمعات أخطأت فهم الانفتاح حين اختزلته في المظاهر، وربطته بالتمرّد على كل موروث، حتى أصبحت القيم لدى البعض عبئًا ينبغي التخلص منه كي يبدو الإنسان “أكثر معاصرة”.
بينما الحقيقة الأكثر رسوخًا أن الأمم لا تُقاس بمدى قدرتها على تقليد غيرها، بل بقدرتها على تطوير ذاتها دون أن تهدم بنيانها الأخلاقي والاجتماعي.
ولعل أخطر ما أفرزته المرحلة الحديثة أن مواقع التواصل الاجتماعي منحت الجميع قدرة التعبير قبل أن تمنحهم وعي التعبير؛ فاختلطت الجرأة بالإساءة، والصراحة بالتجريح، والحرية بالفوضى، حتى غدا بعض الناس يظنون أن تجاوز حدود الذوق أو القانون صورةٌ من صور التحضر والانفتاح، مع أن المجتمعات الأكثر تقدمًا لم تبنِ تطورها على إلغاء الأخلاق، بل على تنظيم الحرية وحماية الكرامة الإنسانية.
فالانفتاح الذي يُهين الخصوصية ليس تحررًا، والذي يُسقط الاحترام ليس تطورًا، والذي يُفرغ الإنسان من هويته ليس تمدنًا مهما بدا لامعًا في ظاهره.
إذ لا قيمة لعقلٍ يتسع للعالم كله، إن كان عاجزًا عن صون إنسانيته وهو يفعل ذلك.
ومن هنا، فإن الأصالة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها جدارًا يُعزل خلفه الإنسان عن عصره، بل باعتبارها البوصلة التي تمنعه من الضياع وسط الضجيج.
كما أن القانون، في صورته الحضارية، لا يقف ضد الانفتاح، وإنما يرسم له الحدّ الذي يحفظ حق الفرد وكرامة المجتمع معًا، بحيث تبقى الحرية مساحةً للبناء لا مبررًا للهدم.
إن المجتمعات التي تنجح في صناعة التوازن ليست تلك التي تُقدّس الماضي حد الجمود، ولا تلك التي تُسلّم حاضرها لكل تيارٍ عابر، وإنما تلك التي تعرف كيف تُبقي جذورها ثابتة… فيما تترك لأغصانها حق ملامسة السماء.
فالحكمة ليست أن تختار بين أن تكون “كما كنت” أو “كما يريد الآخرون”بل أن تكون كما ينبغي لك أن تكون.
هناك حيث لا يخجلك ماضيك ولا يبتلعك حاضرك ولا يُساومك قانونك…تولد الحرية الحقيقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك