بعد سقوط النازية وهزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، عمل الفلاسفة والأدباء الألمان على كشف الخطاب الذي أدى إلى ظهور النازية، وركزوا على الثقافة والتعليم بوصفهما أساسين لمنع ظهور الفاشية مجدداً، ووثقوا الدمار الذي أنتجته الحرب، واشتغلوا على فكرة الهوية؛ ما أدى إلى تشكيل هوية وطنية تعترف بالماضي، وظهور ثقافة جديدة قائمة على الديمقراطية.
أما بعد سقوط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، فقد لعب المثقفون دوراً حيوياً في إصلاح المعرفة، وتفكيك موروثات نظام الأبارتهايد، والانخراط في المجتمعات للمطالبة بالحقوق الأساسية، وتناول قضايا الهوية والذاكرة.
كل ما سبق أنتج أسئلة أخلاقية وضعت المثقف السوري أمام مسؤولية كبيرة تتعلق بدوره في إعادة بناء حالة ثقافية من شأنها أن تنتج سردية وطنية جامعة، وتحول هذه النكبة إلى حالة وعي أخلاقي تقضي على لغة الحرب وترسخ القيم الإنسانية.
ترى القاصة والصحافية فدوى العبود أنه لا بد من التمييز بين الثقافة والإبداع هنا، إذ إن الثقافة شأن سياسي أكثر منه إنساني، فالمثقف الملتحم بالشارع وصوت الحياة لم يعد مستساغاً؛ لذلك صنعت الأنظمة مثقفاً باحثاً عن المكان أو المكانة، ومع أول شرارة لثورات الربيع العربي أخفق المثقف في مسايرة ما حدث وحتى لحظة وجوده كانت مشوبة بكثير من اللغط، وعلى الرغم من أن مسؤولية المثقف إزاء حاضره كبيرة، فهو الآن يعيش وسط مناخ من عدم الثقة من الرأي العام به.
وتضيف العبود أنه يمكن للأدب والفن أن يسهما من دون شك في عملية بناء الوعي، لكن يبدو أنهما مرهونان بالقرار السياسي والمناخ، وهذا متوفر في هذه المرحلة، لكن المشكلة تكمن في طبيعة العالم المتغير، والميديا، والوعي الجمعي الذي يعد الفن والإبداع أموراً ثانوية.
وبخصوص الاستقطاب، ترى أن الاستقطاب الطائفي لم يضعف استقلالية المثقف فقط، بل كشف عورته، وهي هنا عورة معنوية جعلتنا نرتد إلى العشيرة والجماعة والأيديولوجيا، غير أن العبود ما زالت تؤمن أن المثقف الصادق هو صوت الضحية بوعي أو من دون وعي.
من جانبها، تتفق الإعلامية والكاتبة نسرين طرابلسي مع بعض ما سبق، وتقول إن المثقفين السوريين بمجملهم يواجهون تحديات هيكلية ومعرفية كبرى في المرحلة الانتقالية، لكن المأزق الحقيقي يتمثل في تهميش النظام المخلوع لبعض المثقفين.
وتضيف طرابلسي في تصريح لموقع تلفزيون سوريا أن كثيرين اضطروا لمغادرة البلاد بعد الصدام المباشر، والبعض دفعوا حياتهم ثمناً لمواقفهم الحازمة، وآخرين لم يتحلوا بالمرونة اللازمة للخروج من إطار المعارضة إلى مرحلة بناء الدولة؛ فكانت أصواتهم مخيبة للآمال وسط مشهد شديد الاستقطاب.
وتشير طرابلسي إلى أن هناك فجوة في المشهد الثقافي في داخل سوريا وخارجها، حيث يفتقد الداخل إلى مهاجريه من المثقفين، بينما ينشغل مثقفو الخارج بتحديات أخرى يفرضها واقعهم المختلف.
من جهة أخرى، فإن سوريا تحتاج إلى عمل مثقفيها جميعاً من أجل إعادة بناء جسور الثقة مع المجتمع والتوعية بالمفاهيم الضرورية لبناء الدولة المواطنة، وتحقيق العدالة الانتقالية، وترميم النسيج الاجتماعي الممزق، بعيداً عن أيديولوجيات بالية لا يغني ترديدها ولا يسمن.
أما الكاتب والناشر محمود الوهب فيرى أن على المثقف بداية أن يلعب دوراً إنسانياً -لا ثقافياً محضاً- لردم الهوة المجتمعية ونشر السلام، وأن من واجب الكتاب والمثقفين تخليد ذكرى ضحايا المجازر والشهداء معنوياً، وربط هذه المسألة بالقضايا الوطنية والاجتماعية.
ويضيف الوهب أن على كل مثقف أن يكون نقدياً، أي أن يسعى إلى تخليص المجتمع من سلبياته والارتقاء به، لكنه من جهة أخرى يرى أن هناك أزمة كبيرة يعيشها المثقف السوري؛ وهذه الأزمة لا ترتبط بالحرب فحسب، إذ قد أثرت الدكتاتوريات التي حكمت سوريا منذ عام 1958 على الحالة الثقافية في سوريا وقيّدت حرية المشتغلين بالثقافة والأدب، وهذا بالطبع ترك أثراً سلبياً على دور المثقف السوري الاجتماعي والسياسي والفكري طوال عقود، بالإضافة إلى رحيل عدد كبير من المثقفين السوريين إلى بلاد المهجر؛ الأمر الذي جعلهم بعيدين عن هموم الوطن والإنسان السوري، وغارقين في اغترابهم ومعاناتهم المنفصلة عن واقعنا.
ومع الإقرار بخصوصية الحالة السورية من نواح عدة، يبقى السؤال مفتوحاً بشأن قدرة المثقف السوري على استعادة دوره النقدي في المستقبل، والإسهام في بناء وعي جديد ينتج خطاباً جامعاً بعيداً عن الاستقطاب، يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقة بين المثقف والمجتمع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك