في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالضفة الغربية، تمتد من مدينة الخليل جنوباً حتى جنين شمالاً، شبكة معقدة من الطرقات، التي تحولت إلى شريان حياة للمشروع الاستيطاني غير القانوني.
وعلى جوانب هذه الطرقات، سواء تلك المخصصة للفلسطينيين أو المشتركة مع المستوطنين، تنتشر عشرات البؤر الاستيطانية الصغيرة، التي يسكنها عدد محدود من المستوطنين المتطرفين.
وفي قلب هذه الجغرافيا، يمر «شارع 60» الذي يعبر الضفة من أقصاها إلى أقصاها، وهو طريق أدرجته اتفاقية أوسلو ليستخدمه المستوطنون (مؤقتاً) تجنباً للمرور داخل المدن الفلسطينية، لكنه تحول مع مرور السنين إلى أداة لسرقة آلاف الأمتار من الأراضي الفلسطينية، خصوصاً بعد قرار توسعته في السنوات الأخيرة، ليصبح شرياناً يصل المستوطنات الإسرائيلية بعضها ببعض، ويحول التلال المحيطة به إلى منصات لإقامة بؤر استيطانية جديدة.
خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً بعد عام 2021 ومع وصول الحكومة اليمينية الحالية إلى السلطة، شهد نشاط المستوطنين المتطرفين طفرة غير مسبوقة.
فقد تولى وزراء داعمون لهذه الجماعات مواقع مؤثرة، مكنتهم من توسيع نفوذهم بشكل دراماتيكي.
ومنذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023، تضاعفت الاعتداءات الإرهابية لهؤلاء الشبان، وانتشرت بؤرهم على معظم التلال، حتى بات من النادر أن تجد منطقة في الضفة تخلو منهم.
على أطراف أى قرية فلسطينية.
في مناطق «ج»، تبدو التلال كفراغ جغرافي، لكنها تحولت عملياً إلى مسرح يولد فيه جيل جديد من المستوطنين المتطرفين، يحملون الحجارة بيد والبندقية بالأخرى، ويرون في وجود الفلسطينيين «خطأً تاريخياً» يجب تصحيحه بالقوة.
هؤلاء المعروفون في الإعلام العبري باسم «شبيبة التلال» (Hilltop Youth)، تحولوا خلال سنوات قليلة من ظاهرة هامشية إلى طرف أصيل في مشهد العنف الاستيطاني.
وقد وصل الأمر برئيس الشاباك إلى وصف ممارساتهم بأنها «إرهاب يهودي» يهدد الأمن القومي الإسرائيلي، وهي صورة أكدتها صحيفة الجارديان البريطانية في تقاريرها الموسعة عن هذه الجماعات.
يُطلق مصطلح «شبيبة التلال» على مجموعات من الشبان اليهود المتطرفين، الذين يعيشون في بؤر استيطانية عشوائية تمتد على تلال الضفة الغربية، غالباً داخل كرفانات وخيام وأكواخ خشبية أقيمت دون أى ترخيص، حتى وفق القانون الإسرائيلي نفسه.
التسمية مستمدة من خطاب شهير لأريل شارون خلال مؤتمر «الليكود» في 16 نوفمبر 1998، حين دعا المستوطنين إلى «الركض للسيطرة على التلال… وخلق وقائع على الأرض»، بهدف توسيع السيطرة الإسرائيلية وإجهاض مفاوضات السلام آنذاك، خصوصاً اتفاق «واي بلانتيشن».
وقد استجاب العديد من المستوطنين الشباب لهذه الدعوة، مؤسسين بؤراً استيطانية وفق سياسة فرض الحقائق على الأرض.
في مقال بعنوان «كفى لفوضى فتيان التلال في الضفة الغربية»، قدم الكاتب الإسرائيلي يوآب كامين في صحيفة يديعوت أحرونوت وصفاً دقيقاً لبنية هذه المجموعات، مؤكداً أن معظم أفرادها شباب ضائعون، غير مستقرين نفسياً أو اجتماعياً، منفصلون عن عائلاتهم، يعيشون في بؤر بدائية على التلال، ويحصلون على دعم من مؤسسات يمينيه متشددة بعضها رسمي حكومي وبعضها أهلي.
ولا يُعد «شبيبة التلال» تنظيماً رسمياً بقدر ما هم تيار شبابي أيديولوجي مرتبط بالحركة الاستيطانية الدينية المتطرفة.
فهم لا يملكون قيادة واضحة أو هيكلية أو مقراً مركزياً، ولا جهة يمكن مساءلتها أو التفاوض معها.
وتقدر مصادر إسرائيلية عددهم بنحو 800 ناشط أساسي، إلى جانب دائرة أوسع من المتعاطفين.
ورغم أنهم لا يعملون في وظائف ولا يدرسون في مدارس أو جامعات، فإنهم يحظون بدعم مالي كبير من الحكومة الإسرائيلية ومؤسسات اليمين المتطرف، ما يتيح لهم بناء بؤر استيطانية جديدة والتنقل عبر مواصلات مجانية يوفرها المستوطنون.
وتشير التقارير الميدانية إلى أنهم يمضون معظم وقتهم في تلك البؤر أو في رعي أغنام مسروقة من الفلسطينيين، ضمن حياة بدائية تسهم في تعميق انعزالهم الأيديولوجي.
أما مظهرهم، فأصبح مألوفاً في الصور القادمة من التلال: خصل شعر طويلة، قبعات كبيرة، ملابس بسيطة، وحضور دائم في أعمال بناء عشوائية، إضافة إلى الظهور في اشتباكات متكررة مع الفلسطينيين وأحياناً حتى مع الجيش الإسرائيلي نفسه.
هؤلاء المجرمون يقومون بمنع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم أو استغلالها، ويسرقون محاصيلهم وخصوصاً الزيتون، وعندما يتوجه الفلسطينيون للجيش أو الشرطة طلباً للحماية، فإن الاستجابة تكون -في معظم الحالات- لحماية المستوطنين، لا لوقف اعتداءاتهم.
إنها معادلة قاسية: الفلسطيني المهدد هو الطرف الوحيد الذي يُعاقب، بينما يترك المعتدي دون رادع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك