شهدت المنظومة الرياضية في مملكة البحرين، تحت مظلة الهيئة العامة للرياضة واللجنة البارالمبية البحرينية، تدشين حزمة من المبادرات النوعية الرامية إلى تمكين ذوي الإعاقة، وعلى رأسها تأهيل مسبح مدينة عيسى لرياضة ذوي الإعاقة، حيث لا تعد السباحة مجرد نشاط ترفيهي أو رياضة تنافسية لذوي الإعاقة، بل ضرورة حيوية وأداة تمكين شاملة تتداخل فيها الأبعاد الطبية والنفسية والمجتمعية، غير أن فحص آليات التنفيذ على أرض الواقع يكشف عن فجوة بنيوية حادة تفصل بين النص التشريعي والتطبيق الإجرائي.
وتبرز قضية عدم تشغيل الأجهزة والمساعدات التقنية المتطورة، وعلى رأسها الروافع الهيدروليكية بمسبح مدينة عيسى، كنموذج صارخ لما يصطلح عليه بـ “الإتاحة الشكلية”، وهي الحالة التي تستوفي فيها المنشأة الشروط الهندسية نظريا، بينما تظل الفعالية التشغيلية مجمدة واقعيا ما يفرغ الحق القانوني المكفول للمواطن ذي الإعاقة الحركية من محتواه التنموي والتأهيلي.
إن توفر الروافع الهيدروليكية في مسبح مدينة عيسى مع الإبقاء على تعطيلها أو عدم استخدامها بدعوى غياب المشغلين للرافعة أو المدرب المتخصص، لا يمثل مجرد خلل إداري عابر، بل هو إقصاء مؤسسي يجب أن يخضع للمساءلة.
على المستوى الوطني ينص القانون البحريني رقم 74 للسنة 2006 بشأن رعاية وتأهيل وتشغيل المعاقين في مادته الثانية صراحة على إلزامية توفير الخدمات الرياضية والتأهيلية وتيسير وصول هذه الفئة للمنشآت، وبناء عليه فإن بقاء الأجهزة كقطع “ديكور هندسي” دون تفعيل يعد تمييزا سلبيا على أساس الإعاقة.
إن استيراد تقنيات رياضية متطورة بميزانيات حكومية ثم تركها عرضة للتلف دون استخدام يقع تحت طائلة المسؤولية التقصيرية للإدارة، ويمثل هدرا غير مباشر للمال العام الذي خصص لتحقيق عائد اجتماعي ورياضي ملموس.
ويمكن تشخيص أسباب الأزمة في بُعدين:البعد الأول غياب “المشغل المعتمد”، حيث تعاني المنشأة غياب بروتوكول النقل الآمن، حيث يفتقر منقذو السباحة والموظفون الإداريون للتدريب الأساسي على تشغيل الروافع والهياكل الميكانيكية الملحقة بها؛ ما يولد تخوفا من تحمل المسؤولية القانونية في حال حدوث عطل أو إصابة أثناء النقل.
والبعد الثاني “الأمية التدريبية البارالمبية”؛ حيث يعاني اتحاد السباحة نقصا حاد في الكوادر الفنية القادرة على تصميم برامج سباحة تخصصية (Para-Swimming)؛ ما يجعل وجود الرافعة، حتى لو وجدت، بلا قيمة حقيقية في ظل عدم وجود مدرب يفهم الميكانيكا الحركية للاعب المشلول أو مبتور الأطراف.
إن البنية المتطورة لمسبح مدينة عيسى تمثل نصف الطريق نحو صناعة بطل بارالمبي يرفع علم مملكة البحرين في المحافل الدولية، أما النصف الآخر والمسؤول عن تحويل الأجهزة الصامتة إلى أدوات تمكين ديناميكية، فهو الإرادة التشريعية والرقابية الصارمة.
إن الانتقال من عقلية “توفير الأجهزة كمنة” إلى عقلية “تفعيلها كحق قانوني وأمني إلزامي”، هو الفاصل الحقيقي بين الرياضة الشكلية والدمج الإنساني المستدام.
*باحث في الإدارة الرياضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك