ساعات قليلة كانت كفيلة بخلط الأوراق داخل الضاحية الجنوبية لبيروت التي يسيطر عليها الهدوء منذ إعلان الهدنة منتصف إبريل الماضي.
وكانت" التسريبات السياسية" الإسرائيلية على وسائل الإعلام، كفيلة ببث الرعب مرة جديدة في نفوس كل العائدين إلى منازلهم، وإن كان عددهم قليلاً نسبياً.
لكنّ التسريبات الإسرائيلية أيقظت الخوف مجدداً في كل السكان وقرّروا مرة جديدة النّزوح من المنطقة.
لم يكن ليل الضاحية الجنوبية يوم أمس هادئاً.
غادرها آلافُ السكان بعد تسريب معلومات تُفيد بأن إسرائيل تعزم تغيير الخطة العسكرية في لبنان، وقصف مبانٍ في الضاحية الجنوبية.
هذه المنطقة التي تغيرت ملامحها في السنوات الثلاث الأخيرة، بعدما أمعنت إسرائيل في تسوية عشرات المباني أرضاً، وتدمير أحياء كاملة، وتهجير أكثر من 500 ألف شخصٍ.
قبل هذه الليلة، قرّرت العديد من العائلات العودة إلى منازلها، في محاولة لإعادة القليل من الأمان الذي افتقدوه لأكثر من 3 أشهر متواصلة.
أمال الجواد واحدة من أولائك العائدين، والتي خرجت من منزلها 3 مرات.
وبعد إعلان الهدنة، انتظرت لأسبوعَين إضافيَين، ثم قررت العودة مرة أخرى إلى منزلها.
لكن هذه العودة لم تطل كثيراً، إذ إنّ التهديدات الإسرائيلية كانت كفيلة بإخراجها ليلاً من منزلها خوفاً من القصف الفجائي.
تقول لـ" العربي الجديد"، انتقلت وعائلتي إلى منطقة الحازمية، هذه المرة الثالثة التي أترك منزلي، لم يتدمر لكنّه تضرّر بشكل كبير، عدنا في الأيام الماضية وقرّرنا تصليح الزجاج المتناثر، لكن جيران المبنى قرّروا البقاء في أماكن النزوح خوفاً من تجدد الحرب، لقد كنا بمفردنا في المبنى، وعندما يحل الظلام، يسيطر الهدوء على المنطقة، ويصبح تجول أي شخص فيها شبه منعدم.
وعلى الرغم من هذا الأمر، إلّا أننا أصرينا على إعادة توضيب أغراضنا داخل الخزائن، لكن سرعان ما فشلت المحاولة.
ومع بدء انتشار الأخبار الإسرائيلية، بدأت شقيقاتي يتصلن بي لضرورة الخروج من المنطقة.
أعدنا مرة جديدة ترتيب بعض لوازمنا في حقيبة واحدة وخرجنا مساءً من المنطقة.
وما هي إلّا دقائق، حتى امتلأت الشوارع بالسيارات، وتحولت الشوارع المظلمة الهادئة إلى شوارع تعج بالنازحين الذين يحاولون الخروج من المنطقة نحو مناطق أكثر أمناً.
في الضاحية الجنوبية، تبدو شهادات السكان متشابهة إلى حدٍ كبير.
الرعب الذي حلّ على الأهالي دفع بهم إلى الخروج في ساعات متأخرة من منازلهم خوفاً من أي غارات فجائية أو من تكرار ما حصل في الأول من مارس/آذار الماضي، حين أغارت الطائرات الإسرائيلية فجأة من دون أي سابق إنذار.
يقول أحمد شقير لـ" العربي الجديد" وهو من سكان منطقة الجاموس إنّ عائلته لم تتمكن من البقاء في المنزل إثر التسريبات الإسرائيلية، وقرروا المغادرة فوراً، ويتابع: " طيلة الأيام الماضية، عدنا إلى منزلنا ولكنّنا لم نتخلَّ عن المنزل الذي قمنا باستئجاره في منطقة عاليه.
نقلنا عدة حقائب صغيرة من لوازم الأطفال وثياب الصيف، وتركنا باقي الأغراض في عاليه.
بقينا في منزلنا في الضاحية لعدة أيامٍ، كان سكان المبنى يتشجعون في العودة تباعاً، وقمنا بتصليح المصعد وإعادة ضخ المياه في المبنى، وإزالة كل الردم المحيط بالشارع، لكن التهديدات الإسرائيلية تمكنت من إخرجنا مرةً أخرى".
لم يقتنع الكثير من أهالي الضاحية بضرورة إصلاح منازلهم.
فعدم حسم" وقف النّار" يدفعهم إلى التّردّد والقلق من أن يذهب تعبهم سُدى كما حصل في 2024.
تركوا كلّ شيء معلّقاً بانتظار السياسة وما ستؤول إليه: هل سيأتي وقف شامل لإطلاق النار؟ أم أنّ المسيرات الإسرائيليّة ستُذكر أهالي المنطقة عند مطلع شمس كلّ يومٍ أنّ الأمر قد يتغيّر بين لحظةٍ وأخرى؟هي حكاية النزّوح بعد العودة مرّة جديدة.
لكنّ الإخلاء اليوم لم يصدر من المُتحدّث باسم جيش الاحتلال، بل جاء الأمرُ من النّفوس الخائفة، التي لم تُغادرها" تروما" الحرب والتهجير.
تعوّد أهالي الضاحية على النّزوح، لكنّ نفوسهم لم تتعوّد التشريد، ولا العودة إلى رحلة البحث عن مأوى.
تعكس هذه الحكاية الخوف الذي يسيطرُ على المجتمع الذي يسكن في المنطقة المُدمّرة، التي لم ترفع ردمَ العدوان الإسرائيليّ عنها في حرب الـ66 يوماً في 2024، ولا تلك المُشتعلة منذ مطلع مارس الماضي، والتي إن هدأت عن العاصمة بيروت وضاحيتها، إلّا أنّها قد تكرر مشهد الغارات والتدمير مُجدداً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك