من النادر أن نواجه روايات تعتني بمعضلة الذات الإنسانية، مقابل ذلك الاهتمام المفرط بالحمولات التي تتصل بالمستوى الجمعي والتاريخي؛ وأي عمل قد يخرج عن هذا التوجه فإن الذائقة العربية، قد لا تستجيب له كونها مهمومة بتجاذبات التاريخي كما السياسي، فضلاً عن الانشغال بالقضايا الاجتماعية، بمعنى أدق متتاليات المناطق السلبية، التي تتصل بالمستوى الأيديولوجي المباشر نتيجة الواقع العربي، ومن هنا فثمة شبه انقطاع للأعمال ذات الطابع الفلسفي، أو الفكري، أو التأملي على نحو غير جازم، ولاسيما محاولة اكتناه الذات الإنسانية بمعزل عن صخب الأفكار الموجهة، أو المعنية بتصوير أو تمثيل السياقات المتصلة بوجود الفرد المباشر، على الرغم من اعتقادي بأن صحة الذات تستجلب بالضرورة تحسناً على مستوى الواقع بتعدد مستوياته.
من الروايات التي تتصل بتمثيل حيرة الإنسان، وبوجه خاص من ناحية أسئلته التي تتعلق بمعنى السعادة، انطلاقاً من فلسفة الخيارات ثمة رواية للكاتب البريطاني مات هيغ بعنوان «مكتبة منتصف الليل»، صدرت نسختها الإنكليزية 2020، وترجمها محمد الضبع لتصدر عن دار كلمات سنة 2022.
وهيغ من الكتاب الذين حققوا أعلى المبيعات، وانتشاراً واسعاً بين القراء، حيث وصلت مبيعات رواياته الملايين، فضلاً عن ترجمتها إلى أكثر من خمسين لغة بداعي جاذبيتها، وبساطتها الأسلوبية، مع الإشارة أيضاً، إلى أن الرواية حصلت على جائزة القراء.
تتخذ الرواية من ثيمة المكتبة مصدراً لتكوينها المقصدي ما يقربنا – إلى حد ما- من مناخات الكاتب الأرجنتيني بورخيس، ولاسيما تلك العوالم المتداخلة، ومن هنا يمكن تفهم حبكة الرواية، ونسقها الأسلوبي المغاير، حيث يمكن القول إن استقبال هذه الرواية اتسم بملحوظتين جدليتين: الأولى الاستقبال أو الانتشار الجماهيري، حيث لاقت الرواية استحسان الكثير من القراء، في حين أن الاستقبال النقدي بدا متبايناً، على أساس أن الرواية تحمل شيئاً من الاختزال الموجه، فبعض النقاد يرون أنه يجب توفر معايير تتمثل في توفر قدر من الجدلية في معالجة بعض الأفكار على مستوى التكوين، وتطوير الأحداث، كما سائر العناصر السردية، غير أننا في أحيان أخرى نتناسى أن البساطة تعني العمق، وربما هذا ما يماثل رأي مجموعة أخرى من النقاد الذين يعتقدون أن الرواية سعت إلى تقديم رؤية لأكثر القضايا أهمية في حياة الإنسان، ولاسيما مفهوم السعادة المرتبط بخياراتنا ما يجعل رواية هيغ تصنف في خانة الروايات الشعبية الفلسفية، أو السرد العلاجي.
تحيلنا الرواية إلى شخصية مركزية اسمها نورا، تبحث عن معنى لحياتها، أو السعادة، حيث ترى أنها لم تختبر السعادة بداعي سوء خياراتها، فحياتها تخلو من أي قيمة حقيقية، في حين ترى – من وجهة نظرها- أن الفشل كان جزءاً من المسارات التي اتخذتها في حياتها.
ضمن بعد سردي بسيط يماثل صيغ الفانتازيا، التي غالباً ما نراها في الأفلام السينمائية، نرى امرأة مأزومة تقرر الانتحار للتخلص من حياتها الرتيبة، أو الخالية من أي معنى، أو غاية، بيد أنها سرعان ما تنتقل إلى مكتبة تسمى «مكتبة منتصف الليل»، وهناك تجد أمينة مكتبة المدرسة بوصفها المرشدة لها، فتسارع الأخيرة إلى تبرير وظيفة وجود نورا في المكتبة بقولها: «بين الحياة والموت هنالك مكتبة».
ويمكن تبرير حضور هذه السيدة بفضل حضورها في لا وعي نورا، نتيجة تعاطف هذه السيدة، ومواساتها لنورا عند وفاة والدها، ومن هنا تبدأ الرواية في جعل المكتبة صورة أو جزءاً من مخطوطات حياة الإنسان؛ أو بوصفها استعارة لخياراته، وقرارته، وهي صيغة تتوفر في الوعي الديني من مبدأ أن حياة الإنسان في كتاب، أو مخطوط.
تعرض أمينة المكتبة على نورا أن تختار الكثير من الكتب ذات اللون الأخضر المختلفة الحجم، والتي تمثل جزءاً من حياة سوف تتحقق تبعاً لخيارات نورا التي تخلت عنها في حياتها الأصلية، ومن أهم تلك الكتب التي تشكل موجهاً لوعي نورا كتاب «الندم»، الذي يمثل مواجهة الشخصية مع قراراتها.
يتسبب هذا الكتاب بفزع يُضاف إلى غرابة الموقف، حيث تحتاج نورا وقتاً لتفهم طبيعة المكان، ومن ذلك التخلص من فائض الندم، حيث تعرض أمينة المكتبة على نورا أن تختار كتاباً يمثل حياتها تبعاً لقرار تخلت عنه في حياتها الأصلية، وعند موافقة نورا فإنها سرعان ما تنتقل إلى تلك الحياة.
يمكن الانتقال إلى مفهوم الأكوان المتعددة، أو العوالم المتوازية، غير أن صيغتها الأدبية الأقرب هي «العوالم الممكنة»، كما تبلورت في السرديات الحديثة لدى أمبرتو إيكو، ولوبومير دوليجيل، وماري- لور رايان، فالرواية، وفق هذا التصور، لا تُختزل في خط سردي واحد، وإنما تنفتح على احتمالات متعددة، تجعل العالم الروائي مجالاً لاختبار ما كان يمكن أن يحدث، لا ما حدث فقط.
فحين تختبر نورا تلك الحياة التي ندمت عليها، لأنها لم تختر ذلك المسار، تكتشف أن ندمها لم يكن مبرراً؛ لأن الحياة التي قامت بتجربتها بعد اختيارها لهذا الكتاب لم تكن كما تتوقع.
وهكذا تنتقل الشخصية إلى حيوات متعددة حيث تواجه في كل منها أمراً غير مرئي من وجهة نظرها، لتلخص إلى أن اختيار الإنسان لقراراته في واقع معين سوف يؤدي إلى تغيّره واختلافه، أو أن ذلك سوف يؤثر على حياة آخرين، من خلال الموت، أو العكس من ذلك، فعلى سبيل المثال علاقتها مع والدها، أو شقيقها، أو عدم عنايتها بالقط فولتير الذي قتل بحادثة دعس، وما تسبب ذلك من ندم، غير أن أمينة المكتبة تقدم لها درساً في أن «الطريق الوحيد للتعلم يمر بالحياة».
الفكرة تكمن بتداعي الخيارات، وما ينتج عنها من أحداث لا ندرك حقيقتها كوننا محجوبين عن الصور الكلية، فثمة فرق بين أن ننظر وبين أن نرى، ومن هنا فإن الندم على عدم الزواج من شخص ما، أو الارتباط به أو التخلي عن دراسة، أو عمل ما، أو حلم، لم يكن سوى ذلك الواقع بنتائجه التي لم يدرك الإنسان حينها أثره، وهكذا يبقى الإنسان في حالة من حالات الندم أو الحسرة.
ولعل هذا يرتبط أيضاً بصورة أخرى في خيارات أخرى لدى نورا، ومن ذلك أن تكون مثلاً موسيقية، أو مغنية، أو سباحة، أو عالمة جليد، وهناك تكتشف أن الكثير من تلك الخيارات، على الرغم مما تحمله الحيوات من شهرة ومال وتجربة ومغامرة، غير أن ذلك لم يحقق ذلك المعنى الذي كانت تبحث عنه، كما أنها بطريقة أو بأخرى لم تكن أحلامها، بمقدار ما كانت استجابة لأحلام الآخرين: والدها، أو زوجها، أو صديقتها.
وهكذا تحتمل الرواية في هذا البعد صورة من صور معالجة النفس البشرية، وذلك التوق إلى التجربة، والإحساس بأن الذي لم نختبره أو نجربه كان ربما يحمل جزءاً من السعادة.
فنورا، حتى في خياراتها التي تبتعد فيها عن معاني المال والشهرة، إذ لم تستطع تلك الحيوات أن تلبي السعادة المنشودة، وإذ بقي خيار الانتحار قائماً في الحياة الأصلية أو الحقيقية، وعندما اختبرت حياة أخيرة بديلة أو بسيطة وهادئة، حيث كانت زوجة، وأماً، ومستقرة، ولكنها سرعان ما رفضتها، كون هذه الحياة لم تكن ناتجة من وعيها الحقيقي، أو ماهيتها، بمقدار ما هي حياة مستعارة، لا تتصل بتكوينها الحقيقي، وذاتها، فعادت إلى المكتبة لتواجه مصير التداعي والانهيار أو الاحتراق للمكتبة، من مبدأ أن المكتبة مرتبطة بحياة نورا التي ما زالت عالقة بين الرغبة في الحياة أو الموت، ومع ذلك فثمة وسيلة واحدة لتجاوز ذلك، أن تكتب نورا في كتاب أبيض، أو فارغ كلمات تنجو من الموقف، فجربت مجموعة من الجمل، ولكنها فشلت إلى أن كتبت أريد أن أعيش، وهنا تكمن فلسفة الرواية، وتتمثل في أن الحياة يجب أن تُعاش لا أن تُفهم.
وهكذا نرى ذلك التقويض العميق لما يعتقده الإنسان بخصوص وجوده في هذه الحياة، وكيف أن للحياة أحياناً قيمة، لكن المشكلة تكمن في أننا غير قادرين على إدراك هذه القيم لغياب المنظور.
لا تنشغل الرواية بتلك السياقات في نمط ممتد يثقل فعل القراءة، بل على العكس من ذلك، فإن القارئ سرعان ما ينسجم مع تلك الخيارات والتجارب، على الرغم من أن الرواية في بعض المواضع تبدو قد وصلت إلى حالة الإشباع من ناحية إدراك الفكرة.
إن القيمة المحورية في الرواية ترتكز على جزئية توظيف المكتبة، التي تحيل إلى واقع اختزال حكاية الإنسان بهذا المعنى، أو بوصفها نصاً يخطط، وربما يكون المسؤول عنه الإنسان، وإن كان في بعض الأحيان جزءاً من المعادلة وأداة فيها.
إن الإحالات التي تقدمها الرواية إلى بعض الآراء والمقولات الفلسفية تضيف جزءاً من متعة القراءة، ومن ذلك على سبيل المثال تقدير العزلة، من ناحية أن مجتمعات التواصل الاجتماعي قد أسهمت في خلق مجتمع يعاني من الوحدة، أو أن الإنسان يلجأ إلى اختزال ما لا يفهمه، أو المعقد إلى مفاهيم كلية أو بسيطة، في حين أن المكتبة عينها ما هي إلا استعارة عقلية، وبناء على ذلك يؤسس المتلقي اتصالاً فلسفيا بتلك الاقتباسات لكل من سارتر أو كامو، وهيوم، وغيرهم بالتكوين السردي للرواية على المستوى الدلالي، وما تنطوي عليه من قيمة، وأثر من ناحية بناء التأملات التي تتشكل في وعي القارئ، فلا جرم إذن أن تحرص الرواية على أن تتصل بشيء من الأبعاد الفلسفية، ولاسيما أن الشخصية في الرواية تحيلنا إلى اهتمامها وتأثرها بالفيلسوف هنري ديفيد ثورو، الذي تستعين الرواية بأفكاره بوصفه الفيلسوف المفضل لنورا، فهذا الفيلسوف شكل الرؤية العميقة للرواية من ناحية أن الحياة تعاش تبعاً لزاوية الرؤية، كما أنه كان من الداعين إلى تبنى الموقف الأخلاقي للتعامل مع الحياة ببساطة، كما القرب من الطبيعة، مع توفر الوعي بمعنى الوجود بصورة واقعية مما يحقق نوعاً من الانسجام الداخلي للإنسان.
نخلص إلى توفر رؤية بسيطة ولطيفة لمقصد الرواية، ينهض على أن الحياة تتحدد قيمتها فيما يكمن فيها بغض النظر عن الخيارات.
وفي كل الأحوال، فإن تعدد الخيارات أو تعدد التجارب لن يغير ماهية الإنسان، فنورا تعود إلى واقعها، لتكتشف أن حياتها يمكن أن تكون في أبسط الأشياء عبر القبول بها، والتصالح مع واقعها، كما الإدراك أن القيمة تتمثل بفعل الخير، أو تقديم الحب، ولكن الأهم البدء بإصلاح الذات، كما التخلص من الندم على القرارات السيئة في الماضي، حيث ننتهي إلى مقولة أمينة المكتبة التي ترى أن جمالية الحياة تماثل جمالية لعبة الشطرنج، إذ لا يمكن معرفة كيف ستكون النهاية!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك