القدس العربي - استشهاد ثمانية فلسطينيين في غارات إسرائيلية على مدينة غزة قناة التليفزيون العربي - اتفاق وقف إطلاق نار بنقاط غامضة.. مصير مبهم لحزب الله وأميركا تقصي إيران وفرنسا من اللعبة! قناة التليفزيون العربي - شاهد.. حزب الله ينشر مقاطع ليلية لعملية مراقبة فوق قلعة الشقيف جنوبي لبنان قناة الشرق للأخبار - صندوق النقد يشيد بمتانة الاقتصاد السعودي رغم الأزمات قناة الجزيرة مباشر - Senegal: Atlantic waters force residents of Saint-Louis to displace and sweep away their homes قناة الشرق للأخبار - العراق.. رئيس الوزراء يوجه باستئناف شركات النفط عملها في كردستان قناة الجزيرة مباشر - Israeli strikes on residential apartments in the Gaza Strip kill 9 Palestinians and leave others ... قناة التليفزيون العربي - تحركات إيرانية في مضيق هرمز.. المرشد يمنح وزارة الخارجية الإذن لتشكيل فريق عمل معني بالمضيق قناة الغد - مسؤول معين من جانب موسكو: مقتل 3 في هجوم أوكراني على القرم العربي الجديد - المعاناة تلف جنوب السودان: فساد وأزمة اقتصادية طاحنة ومجاعة
عامة

العيد والتسامح: هل نتجه نحو السلام أم نحو غروب القيم؟

سودانايل الإلكترونية
2

قبل هذا العيد بنحو أسبوع، تواصل معي أحد الأصدقاء المقرّبين طالباً مشورتي حول علاقته بأقرباء له، مدّعياً أنّه بذل لهم كل الخير، ثم قابلوه بالجفاء والقطيعة. ولعلّ ما حكاه صديقي ليس حالةً فردية، بل نموذج...

ملخص مرصد
تناول الكاتب أزمة التسامح في المجتمع السوداني خلال فترة الأعياد، مشيراً إلى تراجع قيم الصفح والسلام مقابل خطاب الكرامة المغلوط. ودعا إلى مراجعة أخلاقية عميقة لوقف مسلسل الكراهية، مؤكداً أن السلام ليس تنازلاً بل نجاة للمجتمع من الانهيار الداخلي. كما استشهد بالآيات القرآنية لبيان فضل العفو والتسامح في إصلاح النفوس والمجتمعات.
  • أزمة التسامح في السودان تتجلى في رفض الصلح بحجة عدم التنازل عن الكرامة
  • الحرب في السودان لم تكن صراعاً عسكرياً فحسب، بل انفجاراً لأزمة وعي طويلة
  • العيد يفرض قيم الصفح والسلام، لكن المجتمع يعود سريعاً إلى خطاب الكراهية بعد أيامه
من: السودانيون (عموماً) أين: السودان

قبل هذا العيد بنحو أسبوع، تواصل معي أحد الأصدقاء المقرّبين طالباً مشورتي حول علاقته بأقرباء له، مدّعياً أنّه بذل لهم كل الخير، ثم قابلوه بالجفاء والقطيعة.

ولعلّ ما حكاه صديقي ليس حالةً فردية، بل نموذجٌ يتكرر في حياتنا الاجتماعية والسياسية معاً؛ حيث تتراكم الخلافات الصغيرة حتى تتحول إلى جدران صامتة بين القلوب، ثم تتحول الجدران لاحقاً إلى متاريس.

وقد ناقشت معه الأمر مطولاً، وركزت على معنى الصفح الجميل؛ ذلك الصفح الذي لا يُمارَس باستعلاء، ولا يُقدَّم باعتباره هزيمةً للنفس، بل تهذيباً لها.

غير أنّ عبارةً واحدة ظلّت تتردد على لسانه، وهي ذات العبارة التي تتردد في البيوت والقبائل والسياسة والحروب: «أنا ما ح أتنازل».

ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال؛ لأن أزمتنا اليوم لم تعد فقط في حجم الخصومات، بل في الطريقة التي نفهم بها معنى الكرامة والتسامح والسلام.

فالعيد في جوهره ليس موسماً للزينة وحدها، بل موسمٌ لإعادة ترميم الإنسان من الداخل، وإصلاح ما تصدّع من العلاقات، وتطهير القلوب من أثقال الغضب.

ولذلك ارتبطت الأعياد في الوعي الإسلامي بمعاني الصفح وصلة الرحم، لأن الدين لا يريد للإنسان أن يدخل الفرح وقلبه مثقلٌ بالأحقاد.

وهي آية قصيرة، لكنها تختصر فلسفة العمران الإنساني كله؛ إذ تجعل الصلح خيراً مطلقاً، لأن الخير الذي يحفظ الإنسان من الانكسار الداخلي أعظم من أي انتصارٍ مؤقت.

﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾(2).

فالعفو هنا ليس انكساراً، بل منزلةٌ أخلاقية عالية يتكفّل الله بثوابها.

«ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً»(3).

لكنّ وعينا الاجتماعي المعاصر أعاد تفسير التسامح بطريقة معكوسة؛ حتى أصبح بعض الناس يتعامل مع العفو كما لو كان هزيمة، ويتعامل مع القطيعة كما لو كانت بطولة.

إن عبارة «لن أتنازل» تبدو في ظاهرها دفاعاً عن الكرامة، لكنها في كثير من الأحيان تعكس تضخماً في صورة الذات، كأن الإنسان يتوهم أنّه يقف في مقامٍ أعلى من الآخرين، وأنّ الصلح نزولٌ منه إليهم، لا صعودٌ منه إلى مرتبة أخلاقية أسمى.

وهنا تكمن الأزمة الكبرى في السودان اليوم؛ فالحرب التي اندلعت لم تكن مجرد صراع سلاح، بل كانت أيضاً انفجاراً لأزمة وعي طويلة.

لقد دخل السودانيون في ما يشبه حرب الطواحين؛ حربٌ طحنت المدن والبيوت والأحلام، ولم تُبقِ شيئاً إلا وأصابته بشظايا الانقسام والكراهية.

والمؤلم أنّ كثيرين ما زالوا يديرون هذه المأساة بالعقلية نفسها: عقلية الانتصار الكامل، والخصومة الكاملة، والإلغاء الكامل.

وما زلت أتشبث برأيٍ قديم عندي، أراه اليوم أكثر جدةً من أي وقت مضى: إن السودان، بعد هذه الحرب التي أكلت الأخضر واليابس، لم يعد يحتمل مزيداً من خطاب الكراهية والانتقام.

نحن بحاجة إلى أن نُيَمِّنَ وجوهنا شطر السلام، وأن نستبقي في أرواحنا شيئاً من روح التسامح التي يدفع بها العيد في أيام التشريق؛ تلك الأيام التي تُعلِّم الإنسان معنى الطهارة الداخلية بعد العبادة، ومعنى الصفاء بعد التعب.

غير أنّ المأساة السودانية لا تكمن فقط في الحرب، بل في أننا كثيراً ما نغادر قيم العيد سريعاً.

فما إن تنتهي أيام التشريق حتى يُيَمِّنُ بعضنا وجهه شطر غروب القيم؛ فنعود إلى خطاب التخوين، والاستعلاء، والتشفي، وكأن الحرب لم تمنحنا ما يكفي من الدروس.

لقد أثبتت التجربة أنّ المجتمعات لا تنهض بالسلاح وحده، بل بالأخلاق التي تمنع السلاح من التحول إلى قدرٍ دائم.

فلا معنى لأي حديث عن الوطن إذا كان الإنسان عاجزاً عن التسامح مع أخيه، ولا قيمة لأي خطاب عن المستقبل إذا بقيت النفوس أسيرةً لفكرة الثأر والانتصار النفسي.

إن الذين يرفضون الصلح بحجة أنهم “لا يتنازلون”، قد لا يدركون أنهم يتنازلون في الحقيقة عن شيءٍ أكبر: عن سلامهم الداخلي، وعن فرصة النجاة الجماعية.

فالكِبر حين يتزيّن بعبارات الكرامة يصبح أكثر خطورة؛ لأنه يتحول إلى فضيلةٍ مزيفة.

ولهذا كان القرآن أكثر عمقاً من وعينا الاجتماعي حين قال:﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(4).

فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على إدامة الخصومة، بل في القدرة على إيقافها قبل أن تتحول إلى خرابٍ شامل.

إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى اتفاقات سياسية، بل يحتاج إلى مراجعة أخلاقية عميقة؛ مراجعة تعيد الاعتبار لمعاني العفو، والتواضع، والاعتراف المتبادل بالإنسانية المشتركة.

فالأوطان لا تُبنى بالكراهية، ولا تُرمَّم بالأحقاد، بل تُبنى حين ينتصر الناس على غرورهم قبل أن ينتصروا على خصومهم.

ولو وعينا المعنى العميق لقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، لأدركنا أنّ السلام ليس تنازلاً، بل نجاة.

(1) القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 128.

(2) القرآن الكريم، سورة الشورى، الآية 40.

(4) القرآن الكريم، سورة فصلت، الآية 34.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك