يناقش مفوضو الاتحاد الأوروبي، اليوم الجمعة، حزمة إجراءات تجارية جديدة ضد الصين، وسط توقعات بأن تشهد الأشهر المقبلة موجة واسعة من الرسوم الجمركية والقيود على الواردات الصينية، في واحدة من أكبر المواجهات الاقتصادية بين بروكسل وبكين منذ سنوات.
ويأتي الاجتماع الأوروبي الخاص بالصين في وقت تتزايد المخاوف داخل القارة الأوروبية من اتساع نفوذ السلع الصينية منخفضة التكلفة داخل السوق الأوروبية، خصوصا في قطاعات الكيميائيات والمعادن والسيارات الكهربائية والتكنولوجيا النظيفة، وسط تحذيرات من أن استمرار تدفق الواردات الصينية المدعومة حكوميا قد يؤدي إلى إغلاق مصانع أوروبية وتسريح أعداد كبيرة من العمال.
وقال مفوض الصناعة الأوروبي ستيفان سيجورنيه، أمس الخميس، إن الاتحاد الأوروبي يتجه إلى توسيع استخدام أدوات الحماية التجارية، بما يشمل الحصص الجمركية والرسوم الإضافية على الواردات الصينية، بهدف حماية قطاعات صناعية كاملة من ما وصفه بـ" التهديد الوجودي" الناتج عن المنافسة الصينية غير العادلة.
وأوضح سيجورنيه، وفق" فايننشال تايمز"، أن بروكسل لم تعد ترى أن المشكلة تقتصر على شركات أوروبية منفردة أو منتجات محددة، بل باتت تتعامل مع الإغراق الصيني باعتباره أزمة تهدد بنية الصناعة الأوروبية بأكملها، خصوصا مع تصاعد فائض الإنتاج الصيني وتدفق السلع منخفضة الأسعار إلى الأسواق الأوروبية بوتيرة متسارعة.
وأضاف: " سنستخدم بنود الحماية التجارية بشكل أكثر عمومية وعلى مستوى القطاعات، لأن التحقيقات التجارية التقليدية التي تستغرق ثمانية أو تسعة أشهر لا تسمح فعليا بإنقاذ الصناعات الأوروبية من الانهيار".
إجراءات الحماية الأوروبيةوتقوم إجراءات الحماية الأوروبية على فرض حصص على الواردات، مع تطبيق رسوم جمركية إضافية على أي كميات تتجاوز السقف المحدد.
وتعتبر هذه الخطوات جزءا من استراتيجية أوروبية أوسع تهدف إلى حماية السوق الموحدة من تدفق المنتجات الرخيصة، وتقليص الاعتماد على الصين في القطاعات الحيوية.
وبحسب المفوض الأوروبي، بلغ العجز التجاري بين الاتحاد الأوروبي والصين نحو مليار يورو يوميا، فيما أصبحت قرابة 29 مليون وظيفة أوروبية معرضة للخطر بسبب فائض الإنتاج الصيني والتوسع الكبير في الصادرات المدعومة من بكين.
وتقول بروكسل إن الشركات الصينية تستفيد من دعم حكومي واسع يشمل التمويل منخفض الفائدة، والإعفاءات الضريبية، والدعم المباشر للطاقة والصادرات، ما يمنح المصانع الصينية قدرة تنافسية تصعب على المنتجين الأوروبيين مجاراتها، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج داخل أوروبا منذ اندلاع الحرب الأوكرانية والإيرانية من بعدها.
ويتركز القلق الأوروبي بشكل خاص حول السيارات الكهربائية الصينية والألواح الشمسية والبطاريات والمنتجات الكيميائية والمعادن والآلات الصناعية، حيث تتهم المفوضية الأوروبية الشركات الصينية بإغراق الأسواق الأوروبية بمنتجات منخفضة الأسعار تهدد بإخراج المنتجين المحليين من السوق.
وخلال الأشهر الماضية، فرض الاتحاد الأوروبي بالفعل رسوما إضافية على السيارات الكهربائية الصينية، كما فتح تحقيقات تتعلق بالدعم الحكومي الصيني في عدة قطاعات استراتيجية، في إطار تحول أوسع داخل أوروبا نحو تشديد السياسة التجارية مع بكين.
وأكد سيجورنيه أن هدف الاتحاد الأوروبي ليس القطيعة مع الصين، بل إعادة التوازن للعلاقات التجارية، مشيرا إلى أن السوق الأوروبية الموحدة لا تزال تمثل نقطة قوة رئيسية يمكن استخدامها للضغط على بكين.
وأضاف أن الصين لا تعتمد على السوق الأوروبية بالقدر نفسه في أي قطاع، لكن جاذبية السوق الأوروبية وحجمها يمنحان بروكسل هامشا للمناورة في مواجهة التوسع الصناعي الصيني.
وفي موازاة الرسوم الجمركية، تبحث المفوضية الأوروبية فرض إجراءات إضافية لإجبار الشركات الأوروبية على تنويع سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد على الصين في المواد الخام والمكونات الصناعية، ضمن خطة لتعزيز ما تصفه بروكسل بالاستقلالية الاستراتيجية للاقتصاد الأوروبي.
كما تدرس المفوضية مقترحا تقدمت به خمس دول أوروبية، من بينها فرنسا، لتطوير أداة جديدة تسمح بفرض رسوم أو حصص إضافية على الموردين الذين تتجاوز وارداتهم مستويات تركز معينة داخل السوق الأوروبية، بهدف الحد من الاعتماد المفرط على مورد واحد أو دولة واحدة.
لكن هذه الإجراءات قد تفتح الباب أيضا أمام تصعيد تجاري متبادل مع الصين، خاصة أن أدوات الحماية الأوروبية تطبق على جميع الشركاء التجاريين عند تفعيلها، وليس على الصين وحدها، ما قد يثير اعتراضات واسعة داخل منظمة التجارة العالمية.
وكان الاتحاد الأوروبي قد فرض سابقا قيودا مشددة على واردات الصلب، تضمنت خفض الحصص إلى النصف وفرض رسوم وصلت إلى 50% على الكميات الزائدة، وهو ما أثار احتجاجات من الدول المصدرة.
وحذر سيجورنيه من أن استمرار الوضع الحالي قد يدفع بعض الدول الأوروبية خلال السنوات المقبلة إلى استعادة السيطرة على سياساتها التجارية بشكل منفرد، معتبرا أن ذلك قد يؤدي إلى إضعاف السوق الأوروبية الموحدة وتفكيك جزء من منظومة التجارة المشتركة داخل الاتحاد.
وأضاف أن منظمة التجارة العالمية لم تعد قادرة على توفير حلول سريعة للنزاعات التجارية الحالية، مشيرا إلى أن المنافسة مع الصين تتطلب استجابة أوروبية أكثر سرعة وحزما خلال المرحلة المقبلة.
وتشير التوقعات إلى أن بروكسل تتجه نحو مرحلة جديدة من التشدد التجاري مع بكين، في ظل تزايد المخاوف الأوروبية من فقدان القدرة التنافسية للصناعة المحلية أمام السلع الصينية المدعومة، واتساع الفجوة التجارية بين الجانبين، في وقت تواجه الاقتصادات الأوروبية تباطؤا في النمو وارتفاعا في تكاليف الإنتاج والطاقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك