في ظلّ التسارع الملحوظ في مسارات الانفتاحَين، الدولي والإقليمي، على الملفّ السوري، تبدو سورية اليوم أقرب إلى فضاء تتقاطع فيه المصالح وحسابات الهيمنة أكثر منها دولة استقرّت وجهتها النهائية.
ذلك أنّ شكل التحالفات التي تنخرط فيها دمشق لن يحدّد موقع البلاد الإقليمي فحسب، بل أيضاً سينعكس مباشرةً على طبيعة النظام السياسي المقبل، وحدود الانفتاح الاقتصادي، وصيغة العلاقة بين المركز والأطراف، وحتّى تعريف الدولة نفسها التي تشهد حالياً مخاضاً عسيراً.
فالأسئلة لا تدور بشأن من يحكم دمشق فحسب، بل حول أيّ نموذج للدولة سيولد من تحت الركام: دولة مركزية تستعيد مؤسّساتها التقليدية، أم كيان مرن يُدار عبر شبكات النفوذ الاقتصادية والسياسية، أم مساحة توازنات أمنية مفتوحة على تسويات لا تزال قيد التشكّل؟في هذا السياق، يبدو المسار التركي - القطري الأكثر التصاقاً بالبنية السياسية والاقتصادية للسلطة السورية الجديدة، مع تسارع المؤشّرات الدالّة على انتقال العلاقة بين دمشق وأنقرة من التفاهمات الأمنية المحدودة إلى الشراكات الاقتصادية والمؤسّساتية الأوسع.
ولا تتحرّك تركيا هنا بوصفها دولةً معنيةً بأمن حدودها الجنوبية واحتواء الخطر الكردي فحسب، بل باعتبارها قوّةً إقليميةً تحاول إعادة دمج سورية ضمن فضاءيها؛ الاقتصادي والاستراتيجي.
أمّا قطر، فتؤدّي دور الرافعة المالية لهذا التوجّه عبر تمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة والخدمات.
وفي العمق، يعكس هذا المسار بلورةً مغايرةً لمنطق إدارة النفوذ في الإقليم، في ظلّ التنافس المحموم للقوى الإقليمية على توزيع المكاسب وبناء شبكات اعتماد اقتصادي طويلة الأمد، أداةً لإعادة هندسة التوازنات السياسية.
من هذا المنطلق، لا يبدو التحالف التركي - القطري معنياً باستقرار سورية فحسب، بل بإعادة تموضعها داخل منظومة إقليمية ناشئة، تتحوّل فيها دمشق من ساحة صراع ملتهب إلى عقدة عبور اقتصادية واستراتيجية بين محاور متنافسة.
تخشى القاهرة أن يؤدّي استمرار الفوضى السورية إلى تكريس نموذج الدول المُنهَكة التي تتحكّم فيها العقلية الفصائلية والمرجعيات العابرة للحدودفي المقابل، تبدو القاهرة والرياض أكثر ميلاً إلى إعادة إنتاج نموذج" الدولة المركزية المستقرّة"، التي تستعيد احتكار القرار الأمني والسياسي وتحدّ من تعدّد مراكز القوة المحلّية.
بناء عليه؛ جاء الانفتاح العربي التدريجي على دمشق بوصفه محاولةً لإعادة سورية إلى المجال العربي الرسمي، ومنع تحوّلها إلى امتداد دائم للنفوذ التركي أو الإيراني.
فالقاهرة تخشى أن يؤدّي استمرار الفوضى السورية إلى تكريس نموذج الدول المُنهَكة التي تتحكّم فيها العقلية الفصائلية والمرجعيات العابرة للحدود، وهو نموذج تعتبره تهديداً مباشراً لفكرة الدولة الوطنية العربية الكلاسيكية.
ويبدو أنّ الرياض تنظر إلى سورية بوصفها ساحةً ضروريةً لإعادة رسم التوازنات داخل المشرق العربي، خصوصاً على وقع تراجع النفوذ الإيراني بعد سقوط نظام الأسد.
ولهذا لا يبدو المسار السعودي - المصري مجرّد محاولة لاستعادة العلاقات مع دمشق، بل هو مشروع لإعادة إدماج سورية داخل النظام العربي ومنع خروجها الكامل من محيطه التقليدي.
المشهد السوري الراهن يكشف درجةً غير مسبوقة من التفسّخ الاجتماعي والسياسي والأخلاقيفي الضفّة الأخرى، تتحرّك الإمارات داخل الملف السوري من زاوية أكثر براغماتية، تركّز على النفوذ الاقتصادي بوصفه المدخل الأكثر استدامةً للحضور الإقليمي.
وقد ظهر ذلك بوضوح عبر المنتديات الاقتصادية المشتركة والزيارات الاستثمارية المتبادلة، في وقت تتزايد فيه التقديرات حول رغبة أبوظبي في لعب دور محوري داخل مرحلة إعادة تشكيل الاقتصاد السوري.
ولا يبدو هذا النهج منفصلاً عن الرؤية الإماراتية الأعمق في المنطقة، القائمة على اعتماد أدوات الهيمنة الناعمة لبناء النفوذ أكثر من الاعتماد على أدوات الصراع التقليدي.
فالإمارات تعتبر سورية موقعاً استراتيجياً حيوياً يمكن تحويله حلقةَ ربطٍ بين الخليج وشرق المتوسّط، ولهذا تركّز على قطاعات العقارات والطاقة والمرافئ والنقل.
من هنا؛ يبدو المشروع الإماراتي أقرب إلى محاولة إنعاش سورية في إطار حضور اقتصادي متنامٍ يسبق أيَّ تموضع سياسي مباشر.
المسار الأكثر حساسيةً هو الأميركي - الإسرائيلي، لأنّه متعلّق بإعادة تعريف البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بإسرائيل نفسها.
فمنذ انهيار بنية النظام السابق، بدأت مؤشّراتٌ إلى تحرّك واشنطن وتل أبيب وفق مقاربة جديدة تقوم على تحويل الجنوب السوري من جبهة صراع مفتوحة إلى منطقة خاضعة لترتيبات أمنية مستدامة، بغرض احتواء أيّ تهديد عسكري مباشر على الحدود.
وقد انعكس هذا في التحرّكات الميدانية المرتبطة بهذا الملفّ، بالتوازي مع استمرار التوغّل الإسرائيلي في مناطق حدودية داخل القنيطرة ومحيط جبل الشيخ.
في ضوء هذا، تُكرّر بعضُ التحليلات السياسية فرضيةً مثيرةً للجدل مفادها أنّ السلطة السورية الجديدة قد تتحرّك، بصورة غير مباشرة، ضمن توازنات إقليمية تتقاطع مع المصالح الأميركية والإسرائيلية، استناداً إلى مؤشّرات عدّة، أبرزها أنَّ الطرفَين لم يُظهرا عداءً مباشراً لحكّام دمشق، ذوي الخلفية السلفية، كما كان متوقّعاً، وأنّ أولوياتهما، أخيراً، لم تعد ترتبط بطبيعة الخطاب الأيديولوجي بقدر ارتباطها بوظيفة السلطة وحدود تهديدها الفعلي.
ومن هذا المنظور، تبدو السلطة السورية الانتقالية، البراغماتية وغير المرتبطة عضوياً بإيران، أقلّ خطراً بكثير بالنسبة إلى أميركا وإسرائيل من إعادة إنتاج نموذج الدولة السورية السابقة المرتبطة بمحور المقاومة.
ولهذا يرى باحثون أنّ الغرب تعامل مع التحوّل السوري الدراماتيكي بمنطق" إدارة المخاطر" أكثر من تعامله معه بمنطق التحالف الأيديولوجي.
سورية معلّقةً بين احتمالَين: إمّا أن تتحوّل تدريجياً عقدةً جيوسياسيةً تُقاس أهميتها بمدى قدرتها على خدمة توازنات الآخرين، وإمّا أن ينجح السوريون المُستنزَفون في استعادة معنى الدولةبالتساوق مع ما تقدّم، قد تكون سورية الحالية أقرب إلى نموذج" التقاطعات الوظيفية": تركيا تريد نفوذاً حدودياً واستراتيجياً بعيد المدى، والخليج يريد استقراراً يمنع الانهيار الكامل ويعيد فتح المجال الاقتصادي، والولايات المتحدة تريد احتواء إيران وتقليل الفوضى، بينما تسعى إسرائيل إلى إنتاج جنوب سوري منزوع التهديد وقابل للضبط الأمني.
لكن خلف هذه المسارات جميعها، يظهر السؤال الأكثر خطورة: ماذا بقي من فكرة الدولة الوطنية السورية نفسها؟ فالمشهد السوري الراهن يكشف درجةً غير مسبوقة من التفسّخ الاجتماعي والسياسي والأخلاقي، إذ تتآكل الروابط الوطنية فيما تتقدّم الولاءات الفرعية على حساب مفهوم المواطنة الجامعة، لتتحوّل تدريجياً إلى بنية سياسية وأمنية تهدّد بإعادة تشكيل البلاد على أسس ما دون وطنية.
وهنا تحديداً، تبدو أزمة الدولة الوطنية أكثر حضوراً من ذي قبل، مع انهيار فكرة" المتخيّل الجمعي" الذي يمنح المجتمع تماسكه الداخلي، ولهذا تكمن المأساة السورية الكُبرى، رغم الخراب، في أنّ مستقبل البلاد بات يُصاغ خارجها أكثر ممّا يُصاغ داخلها.
فالتوازنات الإقليمية والدولية أصبحت عاملاً حاسماً في تحديد شكل السلطة والاقتصاد والأمن وحتّى الجغرافيا السياسية، إلى درجةٍ يبدو معها السوريون كأنّهم فقدوا القدرة على امتلاك قرارهم الوطني المستقلّ.
ومع ذلك، من المبكّر إعلان هزيمة مشروع الدولة السورية، فالتاريخ مليء بدولٍ خرجت من الحروب الأهلية والانقسامات الحادّة، ثمّ استطاعت لاحقاً إعادة إنتاج نفسها عبر عقد سياسي وأخلاقي جديد.
لا تبدو التحوّلات الجارية حول دمشق مجرّد تحالفات عابرة أو تفاهمات ظرفية، بقدر ما تبدو محاولةً صريحة لإعادة رسم وظيفة سورية داخل خرائط الإقليم المضطرب.
وبين مشروع يبحث عن الاستقرار عبر المركزية الصارمة، وآخر يدفع باتجاه النفوذ الاقتصادي والانفتاح البراغماتي، وثالث يُعيد تعريف الأمن الإقليمي من بوابة التفاهمات العابرة للخصومات القديمة، تبقى سورية معلّقةً بين احتمالَين: إمّا أن تتحوّل تدريجياً عقدةً جيوسياسيةً تُقاس أهميتها بمدى قدرتها على خدمة توازنات الآخرين، وإمّا أن ينجح السوريون المُستنزَفون في استعادة معنى الدولة بوصفها مساحةً مشتركةً للحياة لا مجرّد أرضٍ مشاع تتقاسمها القوى المتنافسة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك