بينما تتواصل الجهود الأميركية والإيرانية للتوصل إلى اتفاق يضع حدًا للحرب ويخفف حدة التوتر، برز مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب باعتباره إحدى أكثر القضايا حساسية، وتعقيدًا في المفاوضات الجارية.
ولا تمثل هذه القضية مجرد نقطة خلاف فنية بين الطرفين، بل تُعد اختبارًا حقيقيًا لمدى نجاح الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تحقيق هدفه المعلن المتمثل في القضاء على التهديد النووي الإيراني، وفقًا لشبكة" سي إن إن".
غير أن التصريحات الصادرة عن ترمب وأعضاء إدارته أظهرت تباينًا ملحوظًا بشأن ما إذا كان تسليم هذا المخزون النووي يُعد شرطًا أساسيًا لإنهاء الحرب أم لا.
الإدارة الأميركية ترفع سقف المطالبوخلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض الخميس، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن تسليم إيران لليورانيوم عالي التخصيب يمثل" خطًا أحمر" بالنسبة لإدارة ترمب.
وقال بيسنت إن على إيران تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، وهو موقف كرره أيضًا وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي شدد على أن طهران مطالبة بالتخلي عن هذه المواد، مؤكدًا أن الرئيس يكرر هذا المطلب باستمرار.
كما كتب ترمب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن الولايات المتحدة ستعمل، بالتنسيق مع إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، على استخراج اليورانيوم المخصب وتدميره.
ورغم التصريحات الحازمة الصادرة عن كبار مسؤولي الإدارة، فإن مواقف ترمب الشخصية بدت أقل وضوحًا وأكثر تقلبًا.
ففي مقابلة مع وكالة رويترز مطلع أبريل/ نيسان، ألمح الرئيس الأميركي إلى أن اليورانيوم المدفون في مواقع إيرانية عميقة لم يعد يمثل أولوية ملحة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة قادرة على مراقبة تلك المواقع بالأقمار الصناعية.
وقال حينها إن وجود هذه المواد في أعماق الأرض لا يثير قلقه بشكل كبير، معتبرًا أن إيران لن تكون قادرة على تطوير سلاح نووي.
لكن هذا الموقف لم يدم طويلًا، فبعد أسبوعين فقط، عاد ترمب في مقابلة أخرى مع رويترز إلى التشدد مجددًا، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستستخرج اليورانيوم المدفون باستخدام معدات ضخمة، وستنقله إلى الأراضي الأميركية.
وفي أواخر أبريل/ نيسان، كرر موقفه بشكل أكثر وضوحًا عندما قال إن الولايات المتحدة يجب أن تحصل على ما وصفه بـ" الغبار النووي"، مضيفًا: " سنأخذه".
هذا التحول السريع بين التقليل من أهمية المخزون النووي والإصرار على مصادرته أثار تساؤلات بشأن مدى ثبات موقف الإدارة من أحد أهم ملفات التفاوض.
مايو يعيد التراجع إلى الواجهةبحلول منتصف مايو/ أيار، عاد ترمب مرة أخرى إلى التقليل من أهمية استخراج اليورانيوم.
وخلال مقابلة مع الإعلامي شون هانيتي على قناة" فوكس نيوز"، أشار إلى أن الوصول إلى هذه المواد سيكون معقدًا وصعبًا للغاية، موضحًا أن عملية استخراجها قد تتطلب جهودًا طويلة داخل الأراضي الإيرانية.
وعندما طُرحت فكرة الاكتفاء بدفن اليورانيوم بدلًا من استخراجه، لم يبدِ ترامب اعتراضًا واضحًا، بل اعتبر أن أهمية الحصول عليه قد تكون مرتبطة بالجانب الإعلامي أكثر من الضرورات الأمنية.
وقال إن الولايات المتحدة تراقب المواقع المعنية عن كثب، مضيفًا أنه يفضل الحصول على اليورانيوم، لكنه لا يراه أمرًا ضروريًا بالكامل.
وفي مقابلة أخرى أجريت في اليوم التالي، كرر الفكرة نفسها، معتبرًا أن خيار إبقاء اليورانيوم مدفونًا قد يكون مقبولًا من الناحية العملية.
ورغم ذلك، عاد ترمب في تصريحات أدلى بها للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية ليؤكد مجددًا أنه يريد الحصول على اليورانيوم الإيراني فعليًا.
لا تقتصر التناقضات على قضية اليورانيوم وحدها، بل تعكس مشكلة أوسع تتعلق بأهداف الحرب نفسها.
فمنذ اندلاع الحرب، بدت أهداف الإدارة الأميركية متغيرة وغير محددة بشكل ثابت.
وبينما يتحدث مسؤولو الإدارة عن مجموعة من الأهداف الرئيسية، تختلف الأولويات والتفسيرات من مسؤول إلى آخر، بل ومن تصريح إلى آخر للرئيس نفسه.
ويرى منتقدون أن هذا الارتباك يعكس غياب رؤية واضحة منذ البداية، وأن ترمب دخل الحرب دون إستراتيجية نهائية محددة، ليجد نفسه لاحقًا مضطرًا إلى تعديل مواقفه وفق تطورات المشهد السياسي والعسكري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك