مع مرور نحو عامين على سقوط نظام بشار الأسد وتفكك الجيش العربي السوري، لا تزال تفاصيل ذلك الانهيار السريع تُشكل لغزًا يثير جدلًا واسعًا بين المراقبين والمحللين، الذين لم يتمكنوا حتى الآن من الوصول إلى تفسير حاسم لما جرى في اللحظات الأخيرة من عمر النظام.
وبالقدر ذاته من الغموض الذي أحاط بسقوط الأسد وهروبه، يظل دخول قادة هيئة تحرير الشام إلى دمشق في 8 ديسمبر 2024 حدثًا أكثر إثارة للتساؤلات، إذ يفتح الباب أمام قراءات متعددة حول طبيعة التحولات التي شهدتها سورية في تلك المرحلة المفصلية من تاريخها الحديث، وانعكاساتها على المشهد الإقليمي ككل.
وبعيدًا عن تفاصيل انهيار النظام السابق وصعود هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع، وما ترتب على ذلك من سيطرة قوى ذات خلفيات أيديولوجية متباينة على الحكم، وسط حديث عن ترتيبات داخلية ودعم إقليمي ودولي، يبرز سؤال جوهري يتداوله العديد من المثقفين السوريين: ما مصير «قلب العروبة النابض» في ظل حكم مزدوج تقوده تيارات متباينة؟ويعبر عدد من النخب الفكرية السورية عن قلق متزايد من توجه القوى الحاكمة الجديدة نحو تثبيت حضورها داخل مؤسسات الدولة، بما يضمن لها البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة، عبر إعادة تشكيل البنية الإدارية والأمنية والتعليمية، وتوسيع نطاق النفوذ داخل مفاصل المجتمع، دون مراعاة كافية للتنوع الديني والثقافي الذي يميز النسيج السوري، والذي يضم مكونات متعددة من الدروز والعلويين والمسيحيين والأكراد وغيرهم.
وفي هذا السياق، يذهب بعض المراقبين إلى أن الإعلان الدستوري الذي منح المرحلة الانتقالية مدة خمس سنوات حتى عام 2030، ليس مجرد إطار زمني فني، بل يعكس حسابات سياسية تهدف إلى إتاحة مساحة كافية لإعادة تشكيل موازين القوى وترسيخ النفوذ داخل مؤسسات الدولة، بما يجعل من الصعب لاحقًا العودة إلى وضع سياسي مختلف.
كما تشير قراءات نقدية إلى أن هذه المرحلة شهدت تسارعًا في عمليات إعادة توزيع المواقع الإدارية داخل مؤسسات الدولة المختلفة، بما فيها التعليم والإدارة المحلية والبعثات الدبلوماسية، إلى جانب إعادة هيكلة بعض القطاعات السيادية، في إطار سعي واضح لإعادة بناء منظومة الحكم وفق رؤية جديدة.
وفي المقابل، يرى منتقدون أن هذا المسار قد يؤدي إلى تهميش مكونات اجتماعية وسياسية متعددة، ما يخلق حالة من القلق لدى بعض الأطراف الداخلية، ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية متزايدة، في ظل غياب توافق وطني شامل يضمن مشاركة جميع المكونات في صياغة مستقبل البلاد.
وتبقى الأسئلة الأوسع مطروحة حول طبيعة المرحلة الانتقالية، وحدود تأثير العوامل الإقليمية والدولية في رسم ملامحها، في ظل تراجع الدور العربي المباشر، وما يرافق ذلك من تعاظم نفوذ أطراف خارجية تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد السوري وفق مصالحها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك