يتوجه الكولومبيون، اليوم الأحد، إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس جديد للبلاد في انتخابات تعد من الأكثر استقطابًا خلال السنوات الأخيرة، وسط منافسة بين معسكر يساري يسعى للحفاظ على السلطة التي وصل إليها للمرة الأولى في تاريخ البلاد قبل أربع سنوات، ومعسكر يميني يرفع شعار الأمن ومواجهة الجماعات المسلحة في ظل تصاعد أعمال العنف.
ويأتي الاستحقاق الرئاسي في وقت يمنع فيه الدستور الرئيس الحالي غوستافو بيترو من الترشح لولاية ثانية، بعدما أصبح أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا إثر فوزه في انتخابات عام 2022.
وتحوّل بيترو إلى محور رئيسي للحملة الانتخابية رغم غيابه عن السباق الرئاسي، إذ يرى مراقبون أن الناخبين سيصوتون في الواقع إما لمواصلة نهجه السياسي أو لإنهائه.
تحديات أمنية متزايدة في كولومبياوتواجه كولومبيا تحديات أمنية متزايدة مع عودة مستويات العنف إلى الارتفاع بصورة ملحوظة، في أسوأ موجة تشهدها البلاد منذ توقيع اتفاق السلام التاريخي مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية" فارك" عام 2016.
وخلال الأشهر الأخيرة، قُتل عدد من القادة المجتمعيين والمدنيين في هجمات شملت سيارات مفخخة وطائرات مسيّرة، كما شهدت البلاد اغتيال أحد المرشحين للرئاسة، ما أعاد المخاوف من تدهور الوضع الأمني وعودة مشاهد الصراع التي طبعت عقودًا من تاريخ كولومبيا.
وسيجد الرئيس المقبل نفسه أمام مهمة معقدة تتمثل في التعامل مع جماعات مسلحة ومنظمات إجرامية تنشط في تهريب المخدرات والتعدين غير القانوني، إضافة إلى شبكات الجريمة المنظمة المنتشرة في عدد من المناطق.
إيفان سيبيدار وتصدر نوايا التصويتفي المقابل، يسجل أنصار الحكومة الحالية بعض المؤشرات الاقتصادية الإيجابية، إذ تراجعت معدلات البطالة وارتفعت الأجور خلال السنوات الماضية، وهو ما يمنح مرشح اليسار السيناتور إيفان سيبيدا قاعدة دعم مهمة.
وتظهر استطلاعات الرأي أن سيبيدا يتصدر نوايا التصويت في الجولة الأولى، مستفيدًا من قربه السياسي من بيترو ومن دوره البارز في المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق السلام مع حركة" فارك" عام 2016.
ويعد سيبيدا، وهو نجل زعيم شيوعي اغتيل في السابق، من أبرز المدافعين عن مسار التسويات السياسية، وقد تعهد في حال انتخابه بمواصلة استراتيجية" السلام الشامل" التي أطلقها بيترو، إلى جانب توسيع البرامج الاجتماعية الموجهة للفئات الفقيرة في بلد يعاني تفاوتًا اقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا.
في المقابل، يراهن منافسو اليسار على تصاعد المخاوف الأمنية لاستعادة السلطة، منتقدين سياسة الحوار مع الجماعات المسلحة ومعتبرين أنها لم تنجح في الحد من العنف.
وتشير معظم استطلاعات الرأي إلى أن الانتخابات ستتجه على الأرجح نحو جولة إعادة في 21 يونيو/ حزيران المقبل، إذ لا يتوقع حصول أي مرشح على الأغلبية المطلوبة للفوز من الجولة الأولى.
ويعد المحامي ورجل الأعمال المليونير أبيلاردو دي لا إيسبرييا أبرز منافسي سيبيدا، حيث يقدم نفسه باعتباره مرشح الحزم الأمني، ويدعو إلى مواجهة شاملة مع الجماعات المسلحة.
ويعرف دي لا إيسبرييا بلقب" النمر"، كما لا يخفي إعجابه بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويؤكد أن كولومبيا تحتاج إلى سياسة أكثر تشددًا لاستعادة الأمن والاستقرار.
كما تخوض السباق السيناتورة المحافظة بالوما فالنسيا، المقربة من الرئيس السابق ألفارو أوريبي، والتي تتبنى نهجًا مشابهًا يقوم على تعزيز العمل العسكري وإنهاء سياسة" السلام الشامل".
وأكدت فالنسيا في خطاب سابق أن أولويتها ستكون فرض ما وصفته بـ" الأمن الشامل" بدلًا من مواصلة الحوار مع الجماعات المسلحة.
ورغم المخاوف المتزايدة من أعمال العنف، يتوقع المسؤولون أن تجري عملية الاقتراع في أجواء هادئة نسبيًا.
وقال القاضي ألفارو إتشيفيري من المجلس الوطني للانتخابات إن الجماعات المسلحة تعلن عادة وقفًا أحاديًا لإطلاق النار خلال الانتخابات بما يسمح بإجرائها بصورة طبيعية.
وتفتح مراكز الاقتراع أبوابها من الساعة الثامنة صباحًا حتى الرابعة عصرًا بالتوقيت المحلي، على أن تبدأ النتائج الأولية بالظهور بعد ساعات قليلة من إغلاق الصناديق.
وأوضح إتشيفيري أن أكثر من 1200 مراقب انتخابي انتشروا في أنحاء البلاد لمتابعة العملية الانتخابية، بينما دفعت الحكومة بنحو 408 آلاف عنصر أمني لتأمين المراكز الانتخابية وحماية الناخبين.
وتبقى قضية العنف المرتبط بتجارة المخدرات في صلب اهتمامات الناخبين، إذ تعد كولومبيا أكبر منتج للكوكايين في العالم، فيما تمثل تجارة المخدرات أحد أبرز أسباب استمرار النزاعات المسلحة وارتفاع معدلات الجريمة.
وزادت المخاوف بعد اغتيال المرشح اليميني ميغيل أوريبي العام الماضي في عملية نسبت إلى جماعة مسلحة يسارية، ما أثار مخاوف من عودة البلاد إلى مرحلة الاغتيالات السياسية.
كما شهدت منطقة كاوكا جنوب غربي البلاد في أواخر أبريل الماضي هجومًا داميًا أسفر عن مقتل 21 شخصًا إثر انفجار قنبلة على طريق سريع، في واحدة من أكثر الهجمات دموية ضد المدنيين خلال العقود الأخيرة.
ويترقب الكولومبيون نتائج الانتخابات باعتبارها اختبارًا لمستقبل التجربة اليسارية في البلاد، وسط انقسام بين من يدعو إلى مواصلة مسار الحوار والإصلاحات الاجتماعية، ومن يطالب بالعودة إلى سياسات أمنية أكثر تشددًا لمواجهة الجماعات المسلحة واستعادة الاستقرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك