بقلم المحامية شيرين كم نقشثمة عباراتٌ تعيش قرونًا لا لأنها جميلة الصياغة فقط، بل لأنها تلامس شيئًا ثابتًا في طبيعة الإنسان والمجتمع.
ومن بين تلك العبارات… رحم الله امرأً عرف حدَّه فوقف عنده… باعتبارها واحدة من أكثر الأقوال إثارةً للتأمل، خاصة حين تُقرأ بعين القانون، لا بعين الوعظ المجرد.
فالقانون في جوهره ليس سوى فنّ تنظيم الحدود؛ حدود السلطة، وحدود الحرية، وحدود الحق، وحدود المسؤولية.
ومن هنا تبدو هذه المقولة قريبةً بصورة لافتة من الفلسفة القانونية الحديثة، لأن المجتمعات لا تستقر حين يُلغى الإنسان، ولا حين يُترك بلا ضابط، بل حين يُمنح مساحةً كريمة للحركة ضمن إطارٍ يحفظ كرامة الجميع.
غير أنّ الإشكال الحقيقي لا يكمن في المقولة ذاتها، بل في طريقة استخدامها.
فكم من سلطةٍ استخدمتها لقمع المختلف، وكم من مجتمعٍ حوّلها من حكمةٍ أخلاقية إلى أداةٍ لإطفاء الطموح، حتى بات كل خروجٍ عن المألوف يُوصف بأنه تجاوز للحدود، وكل محاولة تميّز تُواجَه وكأنها تهديد للنظام العام.
وهنا تظهر عبقرية القانون المرجعي الحقيقي؛ لأنه لا يُعرّف “الحد” باعتباره جدارًا يمنع الإنسان من التقدّم، بل باعتباره خطًا يفصل بين حرية مشروعة واعتداء على حرية الآخرين.
فالقانون الراقي لا يقول للإنسان: “ابقَ في مكانك”، بل يقول له: “تقدّم كما تشاء… بشرط ألّا تسحق أحدًا في طريقك”.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو المقولة أكثر عمقًا مما تبدو عليه ظاهريًا.
فمعرفة الإنسان لحدّه لا تعني أن يعرف سقف ضعفه فقط، بل أن يعرف أيضًا حدود حق الآخرين عليه، وحدود سلطته عليهم، وحدود الكلمات التي قد تهدم كرامة غيره وإن لم تُعاقَب قانونًا.
وفي المقابل، فإن القانون ذاته يعترف بحق الإنسان في الإقدام كما يعترف بحقه في التراجع.
فالعدالة الحديثة لا تُبنى على إجبار الأفراد على الاستمرار في اختياراتهم إلى الأبد، بل على احترام إرادتهم الحرة في التقدّم أو العدول أو إعادة النظر.
لذلك نجد في القوانين المدنية مثلًا حق فسخ العقود ضمن شروط معينة، وحق التراجع عن بعض التصرفات، وحق الاستئناف والطعن وإعادة المحاكمة، وكأن التشريع ذاته يعترف بأن الإنسان ليس آلةً جامدة، بل كائنٌ يتعلم ويتغير ويخطئ ويصحّح.
وهذا بحد ذاته بعدٌ إنساني بالغ الرقي.
إذ إن حفظ كرامة الفرد لا يتحقق فقط بمنحه حق الكلام أو الاختيار، بل أيضًا بمنحه حق التراجع دون إذلال، وحق الصمت دون اتهام، وحق الاعتذار دون سقوط اجتماعي.
ولعلّ أخطر ما تواجهه مجتمعاتنا اليوم، هو الخلط بين “معرفة الحد” و”إلغاء الذات”.
فالبعض يطالب الإنسان بأن يعرف حدّه، بينما المقصود فعليًا أن يتنازل عن صوته، أو يقبل الظلم، أو يكبت طموحه كي لا يزعج من اعتادوا احتكار المشهد.
بينما الحقيقة أن الإنسان الذي يعرف قدره الحقيقي لا يُهان بسهولة، لأنه يدرك متى يرفض، ومتى ينسحب، ومتى يقاوم، ومتى يصمت.
فليس كل تراجع ضعفًا، كما أن ليس كل اندفاع شجاعة.
أحيانًا تكون الحكمة في أن تتوقف قبل أن تخسر نفسك، وأحيانًا تكون الكرامة في أن تغادر المكان الذي لم يعد يشبهك، وأحيانًا يكون أعظم أشكال القوة أن تدرك أن الحفاظ على اتزانك الداخلي أهم من كسب معركة عابرة.
لهذا، فإن المقولة تصبح منطقية وإنسانية وعادلة حين تُفهم بوصفها دعوةً إلى الوعي لا إلى الانكسار، وإلى ضبط القوة لا إلى قتل الطموح، وإلى احترام التوازن الذي يجعل الحرية ممكنة دون أن تتحول إلى فوضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك